Monday, November 26, 2007

هى أول 24 ساعة بعد الحرب .. لم يكن الطريق سهلا ولازالت الطوارئ مرفوعة بعد وقف اطلاق النار

الرحلة فى أتوبيس كبير ميرى يمر عن طريق دمياط .. ليس بالضبط .. لابد أن يمر بعزبة البرج قبل دمياط بقليل ..

كل الاحداث .. وتفاصيل الفترة جعلتنى وزملائى ننسى ملامح كثيرة .. كأننا منومين مغناطيسيا .. وآن لنا أن نفيق .. ونتذكر أننا ننتمى الى عالم الاحياء أيضا ونسترجعه لنستقبل أحبائنا ..

اعترض الاتوبيس جمع غفير من المصريين الرائعين .. فوقفنا لأنهم أغلقوا الشارع تماما .. وصعد الصبيان و المعلمين يوزعون المشبك والبسيمة والهريسة على كل المقاتلين .. غير عقود الفل والياسمين التى احاطت اعناقنا .. والهدايا والموسيقى التى تزفنا كعروس فى ليلتها ..

ربما كانت هذه أحلى حلوى أكلناها .. وربما كانت تلك أحلى أحضان احتوتنا من اخوتنا .. بكل ذلك الغبار الذى يعلو ثيابنا .. ذلك التراب الذى كانوا يتمسحون به .. لانه من سيناء .. .. يبوح بحقيقة لاخيال ..

كادوا يرفعوننا من على الأرض لو استطاعوا .. كادوا يطوفون بنا شوارع عزبة البرج ودمياط .. أرادوا أيضا أن يحتفظوا بأى شئ .. منديل .. رتبة قماش .. ساعة .. أى شئ
أخيرا .. استطعنا أن نقدم لهم شيئا يعتزون به ..

لم ننس تلك السخرية التى كانت تزفنا أينما ذهبنا قبل الحرب من الجالسين على القهاوى ومن البنات فى الشوارع
انتوا لسه لابسينها .. ماتقلعوها بقى .. -
ايوه .. عارفين إن العام ده عام الحسم .. فكل واحد يحاسم على نفسه بقى .. -
طبعا غير النكات التى ملأت مجلدا خاص بالنكسة ..

فى عزبة البرج .. كان اللقب الذى أحببناه جميعا وظلوا يلقوه على مسامعنا هو.. " يا بطل " .. وكل منا يقول فى نفسه " لم أفعل ما يستحق .. هو واجبى" .. وعندما وصلنا دمياط كانت السيارات الخاصة متراصة .. نعم الجميع متطوع للتوصيل الى أى مكان فى مصر .. ومن هناك نزلت الى طنطا .. ومنها الى المنوفية .. مجانا

أول من قابلت هو والدى مساعد مدير أمن المنوفية .. فى مكان عمله .. كنت أقرأ فى عينيه ذلك الفخر الكبير بين أقرانه و ابنه عائد من على خط النار .. الذى كان لايزال مشحونا يغلى وان توقف القتال ..

وفى لحظة من اللحظات التى هى خارج الزمان .. وجدتنى محاطا بجمع غفير يرددون على مسامعى
- احكى لنا يابطل .. عبرتوا ازاى ؟ .. اليهود عاملين ازاى ؟ .. جبارين زى مابيقولوا وذراعهم طايلة ؟ ازاى قدرنا عليهم وعلى طيارانهم ؟ عندهم صواريخ ضربونا بيها ؟ وايه القنابل التليفزيونية دى ؟
بينما كنت فى قمة الارهاق .. لاتزال عيناى كالجمر من شدة الاحمرار ..

أما أن يتداعى لعينى ذلك الشريط الرهيب .. فاجدنى احكى كالمنوم مغناطيسيا ..
نحن آخر لواء فى شريط القناة .. وهو صاحب موقعة رأس العش والاثنين الاسود لاسرائيل .. لانه دمرقواته المدرعة المتقدمة فأوقفها على مشارف بورفؤاد .. كان هذا سنة 1967

لهذا فنحن اللواء الوحيد الذى لم يعبر .. لانه كان بالفعل شرق القناة ..
لكن كان من واجباته الاتجاه جنوبا للاستيلاء على نقطة رأس العش بقيادة المقدم العربى .. وشرقا للاستيلاء على نقطة قطع رمانة بقيادة المقدم المزاحى ..
واجبى فى الحالتين هو تأمين محاور القوات طول الوقت .. مدعم بكل الوسائل الفنية والافراد من قطاع بورسعيد .. ومنهم فصيلة نجدة جزائرية .. تتحدث الفرنسية .. وعربى مكسر .

قبل الحرب بيومين .. كان على أن أن اتأكد من فهم جميع الافراد لتعليمات التأمين .. ومراجعة أجهزة الوقاية .. والتركيز على انتشار العربات .. وتشديد الحراسة الليلية واجراءات الدفاع الجوى السلبى .. وتوزيع صناديق الاكتفاء الذاتى من قطع الغيار .. لم تكن الفكرة صائبة تماما مع استخدام قنابل البلى .. إذ ان قنبلة واحدة يخرج منها البلى الصغير فى كل اتجاه يصيب كاوتش العربة أو النصف جنزير ومعه الردياتير بثقوب كثيرة .. لم يكن يفلح مع هذا الا عربات النفخ الذاتى على استحياء شديد .. كانت الفلسفة المناسبة استبدال .. لااصلاح أما حفر الوقاية فقد كانت مشكلة هى الأخرى والأرض متشربة تماما بماء البحر .. فكنا نلصق ركبتينا فى صدرنا اذا استخدمناها ..

كانت أيضا هناك حشودا ضخمة .. كأنه يوم الحشر العظيم ..
لكن الجميع ترك أشياءا له فى الخلف .. بعض نقود .. وخطابات .. وأشياء أخرى .. ووصية قبل الانطلاق .. لتوصيلها للأهل عند الاستشهاد .. الدموع فى أعين المقاتلين .. والاجهاد المتواصل يجعل العيون نصف مسبلة على الدوام .. لاتغفل ابدا .. لكنها لايمكن ان ترفع اكثر من ذلك

هل ترى أن الصور تداخلت وتزاحمت كلها فى رأسى ؟ .. وكل صورة تريد أن تخرج قبل الأخرى من باب واحد ضيق ..

السبت صباحا يوم الحرب .. كل شئ هادئ فى بورفؤاد .. والتوتر يزداد خوفا من شئ مضاد .. وانا اسرّى عن جنودى لينسوا ذويهم وبيوتهم .. بالحديث عن الكرامة .. والعيش الشريف .. بعدما قتل مرض الخنادق أرواحنا ..

جلست دقيقة اكتب خطابا .. وفى الثانية تماما .. لم ادر ماذا أصنع .. أو من يساعدنى .. فوضعته فى جيبى .. فكرت فى الاتصال تليفونيا .. كل الخطوط مشغولة .. انتقلت الى موقعى ..

بعد خمس دقائق .. بدأت طلعة الطيران الأولى
فى الثانية والثلث .. ..انطلقت أول طلقة مدفع للقصفة الأولى

وعندما بدأ الهجوم .. كنا نهاجم برا مع القوات التى تعبر بجوارنا .. والذى لم يسمعه ولم يسجله احد هو ذلك الهتاف الهادر المنظم الموحد والقوات تتقدم " الله أكبر .. الله أكبر " .. فالمراسلون الحربيون لم يدخلوا منطقة القناة الا بعد البداية بعدة أيام كان هذا الهدير بلا اتفاق يجمعهم .. وكلنا صائمون متحرجون رغم التعليمات ..
بعد فترة .. جاءت أول مجموعة طائرات معادية .. كانت مدافعنا .. أو بالاخص صواريخنا تنتظرهم .. فتسقطهم
فوجئوا بها .. نعم فوجئوا أيضا بفعاليتها
كان الحل أن يبحثوا عن قواعد الصواريخ أولا .. لكنها كانت تنتقل لأماكن أخرى ..
وتتقدم القوات فى المحورين .. وتبدأ سيارات الاسعاف تعود فى أول مشهد يصرخ فى وجهك بالمصير المنتظر .. بعضها محمل بالجرحى .. والآخر بالشهداء أيضا ..
وبينما نقوم باصلاح معدة .. اشتعلت السماء من فوقى فجأة .. طلعات متوالية لطائرات مغيرة .. سقط نصفها فى الملاحات ومن حولنا وفى البحر .. هربت .. وعادت من بعيد لتتفادى حائط الصواريخ .. ولم تستطع الاقتراب ..
بعد فترة انتقل الضرب للأمام مع تقدم القوات .. فى عمق سيناء .. فهدأت مدفعيتنا ..
لم أنم .. لأننا كنا نتوقع ضربة قوية فى أول ضوء ..
كانت الأوامر أيضا هى عدم التحرك للإخلاء أوالدعم الفنى نهارا .. لكننى تحركت لفتح محور رأس العش وقد تعطلت احدى المركبات فيه .. وأمطرتنا طائرات الفانتوم بوابل من الرشاشات فى شكل حزام مستمر .. كنا نخلي العربة عند اقترابها .. ونعود اليها عند ابتعاد الطائرات لنتقدم على وثبات .. واخيرا تم فتح المحور مرة اخرى ..
على الجانب الشرقى .. لم تتمكن الكتيبة من اتمام مهمتها .. الا ان سرية الصاعقة المكلفة بقطع الخطوط خلفها تمكنت من تدمير بعض المدرعات التى تقدمت لحماية النقطة القوية لهم ..
الرشاش النصف بوصة من داخل الدشم فى هذا الحصن وعلى طول القناة كان يحصد مقاتلين كثيرين على طول الجبهة .. أو على الأقل أصاباتهم بجروح قاتلة ..
النقطة الجنوبية سقطت .. وحاول بعض أفرادها الهرب .. لكن تم أسرهم جميعا .. والباقى قتل .. كان بينهم ثلاث ضباط والباقى جنود يحتفلون بيوم كيبور .. زجاجات الخمر كانت لاتزال هناك ..
حينما دخلت متأخرا .. وجدت تجهيزات كثيرة فى القطاعات المختلفة بما فيها نقطة طبية وكأنها مستشفى ..
ما استطعت أن آخذه من معدات سليمة الى النقطة الخلفية كان كثير .. محطة توليد ميدانية مرسيدس .. خزانات ومضخات ..الأكثر .. تناجر شحن للبطاريات .. متعددة وحديثة .. ترانزيستور .. ولهذا كانت صغيرة وخفيفة .. نفس التناجر رأيت صورها بعد أيام فى جريدة الأخبار .. كوم كبير كتب تحته القنابل التيفزيونية الاسرائيلية

أثناء عودتى .. كان أحد مقاتلينا قد انفجرت احدى قنابل البلى فى بطنه .. اراد أن يحتفظ بها .. ولم نكن نعلم أن تعرضها للشمش أوالحرارة يفجرها مرة أخرى .. تلك الصورة لاتروح من ذاكرتى ..

الصور تتداخل أكثر ..
هذا الرجل الذى يخرج من دمياط فجرا بعربة الجاز التى يجرها الحصان .. ليصل بورسعيد عن طريق الجميل .. هو الذى كان يبيع لنا الجاز.. لنضئ بها المصابيح ليلا .. فقد كانت وسيلة الإنارة الوحيدة ..
تسمعه بطول شارع سعد زغلول الخالى يغنى " الله .. لااله الا الله " .. وهو يوزع الجاز على الجنود ..

عندما هدأ كل شئ نسبيا .. كان هناك ضغط عصبى من نوع آخر .. أصوات مشوشة متشابهة تشد أعصابك وكأنها كوابيس مفاجئة لاتهنئك على نوم .. فصوت الموتوسيكل المقترب يشبه الطيران المعادى المنخفض .. وصوت باب قديم ينفتح كصوت صافرة الانذار الكئيب فى مكان ما .. وصوت شئ يسقط الى الأرض ولو من بعيد .. كصوت القنبلة الألف رطل .. طاردتنا تلك الأصوات لشهور عديدة حتى عاد كل شئ الى طبيعته .. وكانت تعليماتى مراعاة الهدوء فى أعمالنا .. الهدوء لايتناقض مع السرعة .. وهكذا استطعنا النوم قليلا قبل أن نوشك على الانهيار

قبل الحرب كنا نقضى وقتا رائعا بالقاعدة البحرية .. ثم نقوم برحلة حتى الحاجز بأحد اللانشات .. بينما يقوم لانش آخر بتمشيط شمال القناة جيئة وذهابا ويفجر أصابع الديناميت بمنتهى التؤدة والصبر فى كل يوم عند الأصيل ..
وأثناء الحرب .. فهمنا جدوى هذا العمل .. أكثر من خمسة عشر ضفدع بشرى قتلوا فى محاولات تسلل الى القاعدة البحرية ..

كان مركز قيادتى بالمنطقة الخلفية هو حجرة ناظر مدرسة بورفؤاد الابتدائية ..
صحيح أيضا أننى كنت اصطحب اولادى فى كل عام الى نفس المدرسة .. لأحكى لهم .. وإلى ملاعب التنس أمام النادى اليونانى لاقول لهم .. تحت هذه الارض التى يلعب الناس فوقها .. كنا أحيانا ندفن شهداؤنا لأننا لا نجد مكانا وسط المعركة

نعم .. كانت لنا زيارة لنفس الاماكن فى كل عام .. أثناء المصيف .. فبورسعيد ليست فقط مكان حاربت فيه .. والدى أيضا حضر حرب 56 كما اننى قضيت اسبوع عسل فيها وقد اصبحت منطقة حرة .. وعائلة زوجتى تقيم هناك

وفى يوم كنت أتحدث مع زوج أختى .. قال لى وهو يضحك
.. م- ماهو مش معقول ياشريف تاخد العيال كل سنة هناك .. وتقعد تحكيلهم نفس الحدوتة اللى زهقوا منها .. حرام عليك ياأخى .. ارحمهم شوية .. خلاص عرفوا ان بابى كان جدع وبتاع .. شوية اسكندرية بقى أعمل معروف
باحب بورسعيد .. ولينا فيها ذكريات جميلة دائما .. -
أيوه ياأخى وهم ذنبهم ايه ؟ -
... -

حولنا رحالنا بعدها الى الاسكندرية ..

مشاهد تتزاحم

9 comments:

Miss Egyptiana "Trapped Soul" said...

ولو انها متأخره شويه ولكنى اسمح لى ان اقف لك تحيه عسكريه تعلمتها من والدى

واقولك بصوت عالى وملئ بالفخر

تسلم لنا يا بطل
-----------------------------------

اكثر جزء اثر فيا
عندما حكيت عن احساسك بعد العوده، وكيف ان كل صوت كان يترجمه عقلك الباطن الى صوت من اصوات المعركه
وحمدا لله ان مرت تلك الفتره، لانها الاصعب
-----------------------------------

احاول ان اعرف احساسك وانت ترى زملائك يعودون محملين فى عربات الاسعاف... منهم من مات ومنهم من هو جريح
هل كنت تفكر فى انك ستكون احدهم... اعتقد ان لم يكن هناك مجال للتفكير... فقط فى
Greater Good
-----------------------------------

احزننى رد فعل الشعب
حقا شعب بوشين
بدلا من الوقوف بجانبكم... يسخرون
لكن ايمانكم هو ما جعلكم تقومون بالمستحيل

هل احسست باليأس يوما ما؟
-----------------------------------
احكى لنا ... واعدك انى لن امل
بل ساجلس معك بعينين وقلب مفتوحين لمعرفه المزيد وتذوق ايام رسمت تاريخ مصر

Sherif said...

Egyptianna,

يكفى تشريفك

عندما يتكرر مشهد الموت أمامك .. يستمر معك حتى بعد زوال كل شئ .. وكأن هاتف بداخلك .. الدور عليك ..

ولفترة ما .. لاتصدق أنك لازلت حيا .. وبانك مش فى roster ..

يظهر هذا واضحا فى بوست أول لقاء بعد الحرب ..الذى قلت فيه حاسس انى مش هاعيش

تسعدتنى زيارتك

وأعدك .. على قدر ما استطيع

كل الشكر لك

ra7eel said...

بجد حقيقى انتو اجيل رائع كان عارف يعنى ايه معنى الكرامه ويعنى يحارب عشان وطنه
مقارنة بجيل اليومين دول
مستمتعة جدا بذكرياتك فى الحرب
عارف اوقات كتير كنت بتمنى فعلا انى اكون موجوده ايام الحرب دى مش عارفه ليه بس جايز كنت قدرت اعمل حاجة
خالص تحياتى لك ايها البطل

osama said...

الله عليك وعلى كل بطل من امثالك...
كان هذا واجبك او لم يكن انت بطل
واي شكر ليك لن يوفيك حقك...

انا بحب اوي الحكايات اللي بتحكي عن اكتوبر من لسان الابطال .. في الميدان..
واستمتعت وعشت اللحظات معك.. لكن بون شاسع فليس من سمع كمن رأى وشارك ..
بارك الله فيك..
ودمت بكل ود

بنت القمر said...

تحياتي اولا
اشكرك علي الزياره تانيا
تالتا المدونه جميله راقيه مليئه بالصدق والشجن
اعدك بالمتابعه والتعليق مره اخري

بنت القمر said...
This comment has been removed by the author.
Sherif said...

Osama

أسعدنى تشريفك لمدونتى المتواضعة

أرجو أن تجد الوقت لقراءة بوست سابق عن نفس الموضوع

أكرر شكرى

Sherif said...

بنت القمر

أسعدتنى زيارتك وتشريفك

أرجو أن تكون أعجبتك كما أعجبتنى موضوعاتك الجريئة الشجاعة

أهلا بك

osama said...

انا الذي سعدت بتواجدي هنا كثيراً ..
وقد قرات الموضوع العميق الدافئ وعلقت عليه ...
انت تكتب بلغة شفافة...
دمت بكل ود..