Thursday, November 29, 2007

فى يوليو 73 ..

كنا حصلنا على ترقية جديدة .. إلى رتبة النقيب .. وهى أول رتبة نحصل عليها بعد عام من التخرج
جمال هذه الرتبة يتلخص فى أنها أحدى رتبتين تملآن كتفك بالنجوم .. نقيب وعميد .. وكنا نتدرب فى ورش القاعدة بعابدين

مجموعة من الشباب الفتى الذى يتباهى بنفسه واناقته .. كنا ستة .. لم نتزوج .. فلا بيوت تنتظرنا ولا أولاد ولا مسئوليات .. فقط أفلام ومسرحيات .. وفسح .. ومواعيد أيضا

وفى يوم .. ظهر اختراع البرماننت .. وهكذا ذات صباح ظهر طاقم آخر من الشباب فى نيو ستايل تتدلى على جباهم خصلات من الشعر السايح النايح .. تزيدهم أناقة على ماهم فيه .. فزدات السهرات والليالى الملاح .. وانتهى بنا الأمر الى اننا أقمنا بصفة شبه دائمة فى ميس الضباط .. خاصة وأن المكان هو فى عابدين .. يعنى فى وسط البلد الذى كان مقرا لكل النزهات وقتها .. هذا قبل أن يظهر الأثر الحقيقى له بعد فترة حيث تأثر الشعر
!! .. بعد مرات قليلة

هذا المكان هو أول مكان نتعلم فيه كيف نكون ضباطا ومهندسين فى الوقت نفسه .. وأول خدمة لنا بالقوات المسلحة ..
فهو خليط من العسكريين والمدنيين الذين ظلوا يعملون لسنوات طويلة بلا هوادة ولاكلل ولاملل .. فى مرحلة الاعداد .. وهكذا انضممنا الى القطار وهو يسير بكل قوته ..

لكننا أيضا أضفنا لهذه المكان العزيز على قلوبنا بعض الروح ..
فهولاء الرجال لم يلتقطوا أنفساهم منذ مدة .. فاذا بهم يجدون أنفسهم فى رحلات عائلية الى الحدائق والاسكندرية وجمصة .. واندمجوا فى دورات رياضية بالاشتراك مع مركز شباب عابدين .. وحفلات رمضان والمولد النبوى ..
كما كانوا يمثلون .. فقد قمنا باخراج مسرحية كوميدية من فصل واحد أشتركوا فيها مع مركز شباب عابدين .. وفى سهرة جميلة قدمنا زجلا واسكيتشات مختلفة .. ثم قدمنا المسرحية .. وهكذا تجد نقيبا وقد أصبح صولا فى البوليس .. أو مدير وقد أصبح شيخا للخفر ..

كانت دفعة غريبة .. مترابطة .. متحابة .. تحب العمل .. لكنها لم تنس أن تعيش ..
ومر عام التدريب الأساسى بالقاعدة .. وبدأت الدفعة تنسل واحدا بعد الآخر الى الجبهة .. خطابات منفصلة بها أوامر النقل
نعم حزنوا كثيرا برحيلنا .. فقد عاشوا معنا أوقاتا جادة .. لكنها حملت أيضا ذكريات جميلة ممتعة ..

وجاء الدور علىّ .. فى أغسطس .. فأخذت أوراقى ورحلت .. وهناك بالتل الكبير كان على أن أقدم نفسى الى قيادة الجيش أولا .. ثم أتوجه الى قطاع بورسعيد .. حيث اللواء الى نقلت اليه ..
كان قائد السرية الفنية الذى عينت أنا قائد ثان لها .. فى مأمورية بالتل الكبير .. قابلنى فقال
اهلا سيادة النقيب .. أنا للأسف معايا عربة نقل جاز 53 باصرف صناديق قطع غيار ومشمعات .. لو حبيت تنتظر أبعت لك عربة جيب من بورسعيد .. بس دى هتتأخر .. وممكن تبات فى الميس هنا ..
أنا أفضل أروح مع سيادتك ..-
فى اللورى ؟ -
أيوه مافيش مشكلة .. أنا بالافرول ..-
بس على فكرة .. ممنوع أكتر من واحد يقعد جنب السواق -
أنا عارف .. أحسن مافضل فى القيادة هنا ..-

وعلى ذلك أنهى هو بعض الأوراق بسرعة .. وانطلقنا .. هو بجوار السائق فى الأمام .. وأنا فى الخلف مع المشمعات والصناديق ..
وضعت حقيبتى .. ومددت طولى على المشمعات .. يعنى .. نومة ليست مريحة بالمعنى .. لكنها توصيلة ..
وكلما توغلنا شرقا .. ازدادت الطرق اظلاما .. كان الوقت قبل الغروب بقليل .. وعند الاسماعيلية انحرفت العربة فى اتجاه بورسعيد شمالا

لاتزال الرؤية واضحة .. وكنت لازلت مسترخيا ..
كانت المرة الأولى التى أرى فيها طريق المعاهدة المحاذى لقناة السويس .. وهو مخصص للتحركات العسكرية فقط
لكن فجأة .. وجدتنى أنتفض .. وبصرى مشدودا الى هناك .. فقمت الى آخر العربة .. واقفا أمسك بالاطار الحديدى للسقف بأصابعى .. بينما يرفرف المشمع من تيار الهواء فيخبطها بعنف
لم ينحرف نظرى عما تعلق به .. وآلفت تيبسا فى عضلات وجهى كمن يعتصره ألم صامت .. وجفنى لايطرف .. ونظرى هناك على الجانب الآخر ..
العلم الاسرائيلى ..
نعم .. كان مرفوعا على حصون تتوالى كل عدة كيلومترات على الشاطئ الشرقى ..
والحرس .. يروحون ويجيئون أعلاها بمنتهى الحرية .. ظاهرين تماما ..
وانتابتنى هواجس .. ماذا لو صوبت مسدسى الى واحد من هؤلاء .. الهدف ليس بعيدا ..كما أن أصابته ليست صعبة
لكننى طردت هذه الفكرة المجنونة من رأسى .. فليس مطلوبا منى هذا العمل .. كما أن غيرى ممن سبقنى على الجبهة لايفعل ذلك بدون أوامر
أما متى هذه الأوامر .. فالله وحده أعلم بذلك .. مضت سنوات طويلة حتى أصبنا بالاحباط .. واتخذ الثأر مما حدث لنا مراحل ثلاث .. الرجاء .. فالصعب .. ثم المستحيل واليأس حتى من المحاولة ..

وحينما وصلنا بورسعيد .. كانت ضربات المشمع قد أكلت جلد أصابعى ..
لكننى لم أشعر بالألم .. فقد أحتوانى الم آخر .. أشد إيلاما وأنا أرى هذا المنظر ..

أما بورسعيد فلم تكن كما عهدتها .. كانت غارقة فى ظلام أزرق والإضاءة خافتة أو منعدمة .. الحديث همس .. والشوارع فارغة الا من بعض عربات وأفراد قليلون يتحركون هنا أو هناك .. فلا نتبينهم الاعندما يقتربون .. غير أن المحال كانت تعمل .. والبقية القليلة من أهل بورسعيد كانوا لايزالون هناك ..

تقيييد الاضاءة جعل كل مصباح سيارة أو زجاج نافذة أزرق ..
وهكذا ملأ اللون الأزرق عيوننا ..
وفى مدرسة الصنايع .. كانت أول محطة أطأها على طريق مجهول ..

لكن الأوامر جاءت ..

15 comments:

Bella said...

طريقتك في الحكي ممتعة جدا

اتابع مدونتك منذ فترة

بانتظار التكملة

تحياتي

Sherif said...

bella

أهلا بك وكلمة شرفتينى أقل ما يقال لك

أرجو أن يعجبك معرضى أيضا

سكينة said...

تقولي الأول عايش في الحكايات السعيدة وأول ما رجلي تحط في البوست ألاقيك طالع الجبهة
:(
تساقط الشعر نتيجة طبيعية لضغوط الحياة والجينات والإحباطات والخوف وحاجات ثانية كثير
:)
جميلة دافعية الشباب نحو الحياة

Bella said...

مرحب شريف

لقد شاهدت معرضك واعجبتني جدا خطوطك

لاازعم اني افهم في الفن ولكني احاول

خطوطك دقيقة جدا

بانتظار استكمال الحكاية هنا وسارى كيف اعلق على معرضك

تحياتي

Sherif said...

العزيزة سكينة

شرفنى حضورك .. واسعدتنى أكثر خفة دمك
لعلمك بقى كل البوستات فيها مقالب حقيقية

والا ماكانش حد قراها

Sherif said...

bella

أود أن أوضح شئ مهم جدا

أن هذه البوستات هى لقطات حقيقية من حياتى بكل مفارقتها .. فى الحرب وغير الحرب ..

وحين شرعت فى انشاء المدونة لم يكن فى ذهنى اطلاقا أن تأتى مرتبة زمنية .. وربما كان هذا ما جعلها ذات مذاق خاص

وربما هذا أيضا ما جعلها مليئة بانفعالات صادقة ..أكتبها كما تتداعى على خاطرى لأنه كان فى رأيى أن التفاصيل أهم من الترتيب

على ذلك ياسيدتى .. فان البوست الأخير هو أول ما انتقلت الى الجبهة قبل حرب اكتوبر

وأول بوست فى هذه المدونة هو لقطة من بداية الحرب وأثناءها

وهنا بوست فى الأواخر عن جيلنا الذى لعب كما شاء وحارب حين طلب منه ذلك والذى اعتقد انه كان أقواها بعنوان "تسمحى لى

وهناك أول لقاء بعد الحرب..

أنا لاأطلب منك أن تقرأى المدونة كلها ..فهذا شئ صعب .. لكنى أقول أن ماتطلبين سيدتى هو هناك بالفعل

تحياتى لك وقد زرت مدونتك أنا أيضا .. ووضعت تعليقا

Bella said...

مرحب شريف

واضح طبعا من طريقة الحكي والاسلوب انها تجربة شخصية مفعمة بالصدق

وقراءة المدنة ليست بالامر الصعب خاصة وان الاسلوب شيق وممتع
هو يحتاج لوقت لكن ليس أمراً صعباً

سأبحث عن التدوينات الاخرى واستمتع بقراءتها

وقد شاهدت تعليقك في مدونتي واشكرك كثيرا على اطرائك الذي أحسب اني لااستحقه
وسأرد على تعليقك هناك

تحياتي

عدى النهار said...

صورة المقاتل فى بوست نوفمبر 26 جذبت إنتباهى لقراءة البوست والحق إنى من أول كلمة فيه حسيت إنى عايش معك الأحداث

الكلام ده كان حوالى 1 صباحاً وتصورت إنى هاكمل قراءة البوست وخلاص لكنى قضيت ساعتين متجولاً فى مدونتك التى أجمل ما فيها هو أنها صور حقيقية من الحياة تم كتابتها بصدق واضح. فى بعض البوستات على مدونات مختلفة أشعر أنها تستحق أن ترى ضوء أكبر من ضوء التدوين ومنها ما قرأته فى مدونتك حتى الآن

Bella said...

انا ايضا لفت انتباهي وجود صورة حقيقية
واعجبتني جدا طريقة الحكي الممتعة المشوقة والتي تأخذ القارئ لنفس الارض فكنت اتابع القراءة كما لو اني كنت معكم بالضبط

اسلوب رائع ومشوق جدا

Arabic ID said...

شريف الغالى
ياه بوستين بحالهم فاتونى
معلش الشغل بقى
وكمان معنديش انترنت فى البيت
فعلشان كده مش متابعك كويس زى ما أنا عايز

مش القدر برضه اللى بيرسم حياتنا
وهكذا كان ذلك المشهد ما صنع عزيمتك أكثر وأكثر

----
تحياتى لابداعك وقدرتك على الوصف لدرجة اننا نعيش الاحداث معاك
---
تحياتى

Sherif said...

عدى النهار

شرفتنى زيارتك .. وأشكرك على اطرائك الرقيق .. فهذا من ذوقك لشخصى المتواضع

مدونتك من بين تلك التى تتميز بشجاعة الرأى .. والغوص فى آلام مصر..

أهلا بك دائما وآسف انك ضيعت ساعتين من وقتك

Sherif said...

الشاب الوسيم

Arabic id

الحمدلله أن كل شئ هناك فى انتظارك وفى الوقت الذى يروقك

لو كان التكريم بالكلمات الخارجة من القلب

فلابد أن تكون من أكبر من كرموننى بالفعل

osama said...

انا مستمتع معاك بتلك الذكريات .. اتشوق لمعرفة المزيد
اغسطس سبتمبر ثم اكتوبر المجيد...
في سطورك عرجت على الفراق كم هو رائع ان يبقى في الاثر لوعة الفراق بعد كل هذا الزمن .. بالأحرى كي اكون اكثر دقة كم هي انسانية...

دمت بكل ود

عدى النهار said...

لم يكن وقت ضايع بل العكس تماماً.. ومتابع بإستمرار إن شاء الله

Miss Egyptiana "Trapped Soul" said...

اعرف احساسك تماما عندما ترى العلم الاسرائيلى يرفرف

كنت فى رحلة الى طابا مع المدرسة وكانت احدى الاماكن التى نزورها هى نقطة الحدود... وعلى الرغم من ان العلم لا يرفرف على ارضى لا انى احسست بالغضب وانا ارى النجمة الكابوسية ترفرف راسها براس علمنا الجميل

طبعا اكيد احساسك كان اقوى بكثير
ولكنى ادرك الغضب المكتوم

الصورة جميلة جدا ولكنى لم استطع تبين ايهم انت

----------------
لقد تربيت يا عزيزى فى بيت عسكرى
فوالدى كان ظابط مهندس... سمعت منه الكثير من الحكايات، وكنت احب ملابسه العسكرية جدا وطالما كنت اجلس بجانبها على السرير اتاملها

اما اغانى عبد الحليم الوطنية فحدث ولا حرج
وطابور الصباح لتقبيل ابى وتوديعه قبل ذهابه الى العمل
-----------------

ذكرياتك تعيدنى الى جزء مفقود فى حياتى
اشكرك