Wednesday, November 21, 2007

.. يوم الثلاثاء 2 أكتوبر 73

كنا فى سينما ماجستيك ببورسعيد .. نشاهد فيلم
" The Last of Shiela"
.. البطل هو جيمس كوبرن .. ومعه راكيل ويلش

كان معى احمد سيف النصر .. رئيس الشئون الفنية ومصطفى الرفاعى قائد السرية الفنية .. وبعض القادة من نفس الجيل
الفيلم قصة بوليسية غامضة وممتعة .. لكن مازادها غموضا وتشويقا هو أن الفنى أثناء العرض بدل إحدى بكرات الفيلم بأخرى ..
النتيجة أنه ظهر من قتل فى الأحداث الأولى حياً مرة ثانية فى شوطات تالية .. وعليك أيها المشاهد الكريم أن ترتب الفيلم أولا .. ثم تحل اللغز ثانيا
كنت أنا الوحيد الذى أكمل الفيلم مع هذه اللخبطة حتى النهاية ..

فى وسط الفيلم .. أتى جندى ومال على أذن قائد سرية المهندسين .. فخرج ..
بعده بقليل .. جاء جندى آخر .. فخرج زميل ثان ..
وخلال نصف ساعة .. اختفى الجميع ..
وأخيرا .. أتى الدور علىّ وقد كنت أصغر ضابط وقتها .. " الرائد أحمد عايزك"

هناك .. فهمت أن الجميع قد تسلم أمر القتال .. وعلىّ أن أعبر بورفؤاد فى منتصف الليل .. واتسلم مهامى بصفة رسمية كقائد القسم المتقدم المسئول عن تأمين محاور اللواء فى الاتجاه الشرقى .. والاتجاه الجنوبى ..
كان على أن أن اتأكد من فهم جميع الافراد لتعليمات تأمين المعدات والافراد .. ومراجعة أجهزة الوقاية .. والتركيز على انتشار العربات .. ومنع التجمع .. وتشديد الحراسة الليلية واجراءات الدفاع الجوى السلبى .. وتوزيع صناديق الاكتفاء الذاتى من قطع الغيار .. استغرق ذلك يوما كاملا .. وفى اليوم التالى بعد الافطار .. استكملنا معالجة الأفرولات بمحلول مقاومة النابالم .. وتوزيع صناديق الاسعافات الاولية ..

يوم الخميس 4 اكتوبر كنت فى المواقع مع الضابط أحمد عبد القادر ضابط شئون فنية الكتيبة الشرقية حتى الخامسة صباحا لاستكمال استعداد معداته للمهمة .. أما فى الموقع الأمامى مع القائد .. فقد كانت هناك مهمة أخرى

نقيبين من القوات الجوية .. أتيا بملابسهما من قاعدة شاوة فى عربة جيب .. يدرسان بعمق النقطة الحصينة المواجهة لنا .. على الخريطة .. وبالنظر ..
كانت تلك هى آخر نقطة فى الشمال على الساحل .. وهى مكونة من ثلاث قطاعات محصنة بطريقة خيالية .. ومزودة برادار بحرى ودشم للمدرعات والمدفعية .. غير الطيران المخصص لحمايتها بكل الوسائل .. لماذا بالذات نقطة بودابيست ؟ .. لأنها أقصر الطرق إلى تل أبيب

بعد الدراسة نزل الطيارين مع بعض أفراد الاستطلاع باللواء .. سيرا على الأقدام فى الملاحات إلى النقطة تحت ستار الظلام .. وبعد حوالى ساعة ونصف عادا الى القيادة .. ثم الى شاوة مرة أخرى ..

وعند الفجر .. جاءت طائرتى استطلاع من قواتنا من جهة الغرب .. ومرا من فوق النقطة ثم انحرفا شمالا فى اتجاه البحر
ثم عادت الطائرتين كالشهب من الشمال الى الجنوب على ارتفاع منخفض جدا فوق النقطة الحصينة .. ثم توجهاغربا إلى شاوة مرة أخرى

عند الظهر .. جاء الطيارين مرة أخرى .. ومعهما خرائط قامت وحدات الاستطلاع الجوى والمخابرات العسكرية بتحليل كل شبر تم تصويره ووضع كل المعلومات التفصيلية للقائد على الموقع المصوّر ..

سألت زميلى الطيار .. لماذا اتخذت مسارك اولا من الغرب الى الشرق ثم شمالا فى اتجاه البحر ؟ كانت تكفى مسحة واحدة للتصوير ؟
أجاب .. لم تكن الصورة لتظهر شيئا .. كنت عاليا قليلا .. أردت فقط أن " أصحصح " أكبر عدد فى الموقع على قدر الإمكان .. أردت أن تخرج المدفعية المضادة للطائرات والاسلحة وتشهر فوهاتها تجاهنا .. وهنا .. يصبح الموقع عاريا تماما .. وجاهزا للتصوير ..
قلت له .. اذن انت تصور والكل يصوّب أسلحته تجاهك .. وعلى ارتفاع منخفض جدا ؟ .. قال بالضبط كده

الصورة غريبة فى وضوحها وتفصيلاتها .. فكأنك واقف مع هذا الجندى الذى كان يتبول وهو ينظر بذهول الى تلك الطائرة المعادية تمر من فوق رأسه كالشبح .. غير كل قطعة سلاح ومدفع ودبابة فى الموقع ..

كان هذا هو آخر موقف يتسلمه المقدم المزاحى قبل العبور العظيم .. وقبل أن يستشهد ..


والمدفع مصوب إلىّ ..

5 comments:

Miss Egyptiana "Trapped Soul" said...

اولاً احب ان اشكرك على تلبيه رغبتى فى معرفه المزيد عن فتره الحرب ... لا يوجد مثل قراءه مذكرات مقاتل ... كلمات تشع بالمشاعر والحرارة على عكس قراءة المقتطفات السنويه المعاده من الجرائد والمجلات

ثانياً... مش عارفه اقول ايه... قراءة اخر جمله بعثت القشعريره فى نفسى... عن استشهاد الطيار ... لا ادرى لماذا... احساس بالحزن... بالفخر... بالشوق مره اخرى ان اعيش تلك الفتره

لا استطيع الانتظار لقراءة المزيد من حكايات الفتره الذهبيه - فتره السبعينات وفتره الحرب

تحياتى لك يا عزيزى ... واحب فقط ان اضيف انى فى منتهى السعاده لاكتشاف مدونتك

Sherif said...

الانسانة الرقيقة التى تفيض كلماتها فى كل مكان حسا ودفئا
Egyptianna

لم أكن أعرف لما أقول أهمية على نحو ما
ويسعدنى أن ألبى طلبا بسيطا لك

ما أود الإشارة اليه هو أننى أبحث فى وادى سحيق بعد عنى كثيرا الآن بتفاصيله الصعبة أحيانا

ثانيا .. لست ممكن يكتبون تقريرا دون أن استعيد الاحداث ببعدها الانسانى .. فهذا هو الرصيد المتبقى لها

وهذا يزيد الأمر صعوبة ..فهل أطلب منك أن تصبرى قليلا حتى أحكى؟

Miss Egyptiana "Trapped Soul" said...

عزيزى شريف
ما تقوله فى غايه الاهميه، على الرغم من انه عبارة عن مجموعة من الحكايات ، او لنكون دقيقين مذكرات

كلماتك تشهد على الكثير من التغيرات والاحداث فى المجتمع المصرى ... ليس فقط اقتصاديا او سياسيا ... انما انسانيا، لذلك خذ ما يكفيك من وقت لتفكر وتستعيد الذكرى وتكتب لنا من بستان كلماتك ورودا تحيينا وتسعدنا

اريد ان اعرف
واحيا من خلال ذكرياتك فى تلك الفترة

Arabic ID said...

الاستاذ شريف

عندما كنت فى الجيش وجدت فارقا كبيرا

فارقا كبيرا بين من خاضوا الحرب وبين من لم يروها
بين من يرون أنهم فى استعداد لخسارة أرواحهم أو كادوا
وبين من يرون أن ضعفنا ليس له نهاية

سيدى
أنت فعلا تلمس فى أوتار العشق لهذا الوطن وتعزف أحلى نغمات تطرب قلبى

بهذه الذكريات التى تجعلنى أود أن أحييك تحية عسكرية أظل واقفا فيها من أول الصباح وحتى أخر يوم فى عمرى


شكرا لك

Sherif said...

Arabic ID

أنا أبسط بكتير من الكلام ده

هاتصدق لو قلت لك انى عينى دمعت لما قريت كلامك ؟