Saturday, December 27, 2008

فى حجرتى الخاصة بى بالصالحية .. اجلس الى مكتبى .. احاول ان الملم اوراقا كثيرة متفرقة لابحاث زوجتى .. ونتائج لدراسات خاصة بالماجستير الذى كانت تعد له

هذا الذى ربما كرست جهدى لاساعدها فيه .. فى الوقت الذى كان قد تم رفدى وشطب قيدى من الماجستير بجامعة القاهرة .. نظرا لغيابى المستمر وعدم تقدم رسالتى فى اتجاه البحث

لم يكن فى الامكان استكمال دراستى وانا ارى اولادى لخمسة أيام فى الشهر .. فهل يمكن ان تضيع
وانا الهث وراء المشرفين الذين لاتجدهم بالاساس .. فاذا وجدتهم لاتخرج منهم بشئ مفيد

هذا غير ان دراستها هى جزء اصيل من خطها الوظيفى كأحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة .. أما انا .. فدراستى بالفعل هى العلم للعلم .. وغير مؤثرة عدا على طريقتى فى التفكير .. والمنهج المنظم فى تناول الاشياء

وعودة الى هذا الجو الغريب الذى كنت أعمل فيه .. فى أحد ليالى الشتاء الباردة .. والرياح حول الحجرة اليتيمة تكاد تطيح بها .. غير ذلك السرسوب من الماء الذى يخر بكل تؤدة وانتظام من جوانب السقف الانترنيت الغير معزول جيدا .. وهو الذى أثر طبعا على توزيع الأثاث بحيث لايجوز ان يمس ايا من الحوائط .. وبالاخص السرير المفرد

الإضاءة أيضا شاحبة لولا مصباح الكيروسين الموضوع على يسارى والذى أقربه حتى ليوشك ان يقف على الورق نفسه .. غير البقعة التشكيلية الرائعة التى يرسمها الهباب المنبعث على سطح الحجرة .. غير الخيالات التى يرسمها اللهب المتراقص فتحس فى نفسك كأن جنيا معك يراقب ماتفعل

حجرة من سرير بعيد .. وشبه سجادة قديمة تعرى من الارض أكثر مما تغطى .. وحمام صغير ضيق .. وفى المقابل هناك مكتب يغطيه مفرش زاهى .. هو فى الاصل بطانية قديمة لم تعد تصلح للغطاء .. وكرسى .. ورف .. ومنضدة ملقى عليها بعض الاوراق الغير هامة فى معظمها .. موضوعة بعناية ومصفوفة بشكل منتظم كباقى الاشياء .. منظمة ونظيفة

وهذه الحجرة لها شباكين عريضين متقابلين .. لايتناسب حجمهما مع حجم الحجرة نفسها .. وربما كان ذلك لقلة قوالب الطوب .. مما اضطر الجندى المجند .. عم عزت البنا – وهو مهندس الانشاءات لدينا – الى تعديلات كثيرة من بنات افكاره ينفذها دون استشارة احد طبقا للمتاح .. فلا احد يفتح فمه .. فاذا لم يعجبنا .. تقرأ فى عينيه المثل المعروف .. اطبخى يا جارية .. كلف ياسيد

هكذا كنت اركز جهدى مساءا فى العمل الدؤوب .. فليس هناك شئ هام تقضى قيه المساء والليل غير مشاهدة التليفزيون .. او لعب الورق والشطرنج .. او الرياضة قبل حلول الظلام .. وكلها لاتنجز شيئا .. قلت أعمل شيئا مفيدا .. خاصة وأن الوقت دائما هو فى غير صالحك .. أو كأن ذلك هاجسى الأول .. فصار منهاجا لى وشريعة تحكم حياتى كلها

اذا فالجو العام يساعد على التركيز لولا تلك الرعدة التى تنتاب أوصالى والتى تجعل القلم لايستقر فى يدى .. فما بالك والمطلوب ان يكون كل شئ بلغة انجليزية سليمة توقيا من ألسنة شداد لآعضاء لجنة التحكيم فى المناقشة ؟!!

غير أننى احتاج الى طاقة غريبة تملاؤنى من جراء ذلك الوشّ الجميل المنتظم الهادئ الذى يخفت شيئا فشيئا .. حتى يكاد ينام فتنام معه لولا أن تفيق فتوقظه بنفسين جامدين .. فيصحو وينتشى ويملأ الغرفة حياة .. وجاز أيضا

نعم .. هو وابور الجاز .. فلكل منا رغبات غريبة .. وأشياء يحبها .. ربما كانت مذهلة للآخرين .. أعرف من يحب رائحة الاسيتون .. وآخر رائحة الكلة .. وفيهم بنات أيضا .. وعالم الروائح هو غامض غريب فيه مايشد اى انسان .. وربما يسكره أيضا

وفيما يعنينى .. كان وابور الجاز احد أهم أشياء أحبها فى حياتى .. ربما عاد ذلك الى الوراء قديما .. هناك فى أعماق القرى .. حين كانت أمى تريح رأسى على حجرها وهى فى المطبخ تطهو شيئا مع الآخرين .... فيسرى الدفء فى عروقى .. وأنام على ذلك الوش اللذيذ .. وتنقلنى الى سريرى حين أغط فى النوم

وهو أيضا الذى كان يجعلنى التصق بخطيبتى أثناء فترة الخطوبة الجميلة فنستدفئ به بينما قد يطال اللهب بعض جواربها .. لكن البرد كان حجة لطيفة .. وكان الوابور أفضل من الدفاية الكهرباء وأكفأ .. كما كان ذلك الوش يملاؤك بالشجاعة .. ويدارى الى حد كبير تلك التهتهة التى تنتاب المحبين عادة أثناء الحب الأخضر .. مع ان الكلام بعد ذلك صار ينساب بكل سهولة ويسر .. وبدون وابور ولايحزنون

وهو الذى اذا نظرت اليه .. توقدت كل مشاعر الحياة فى وجدانى .. ولعلى كنت اكتب أثنائها أحلى قصائد الحب والهيام .. وأكثر الرسائل المليئة بالوجد والحنين .. و اليأس والاحباط أيضا

أما رائحة الجاز .. فأينما طالت أنفى .. أثارت معى كل تلك الذكريات
السرّ .. لا أعرف .. تماما كما تقول لى مارأيك فى ماء من الثلاجة ؟ فاجيب .. بل أحلى منها عندى هو مية القلة القناوى فى العصارى .. بعد أن تكون تركتها لفترة وأوراق الليمون فى عنقها .. مغطاة بذلك التاج النحاسى البراق

مالذى أثار فى نفسى تلك الذكريات ؟
آه .. رائحة الجاز المتسربة من المنور لأحدهم يطش صلصة طماطم وأشياء أخرى
&
جاز ؟ .. أيوه جاز
&

Sunday, December 21, 2008

ايه يادندن لسه مانمتيش ؟ -
لا يابابا .. بس لازم أنام بسرعة دلوقتى .. -
بسرعة ليه ؟ -
الواجب خد وقت طويل جدا .. ومدام مشيرة -
عاوزاه بكرة
وخلصتيه .. -
آه .. بس أتأخرت قوى .. ولازم أنام قبل الساعة -
اتناشر
عشان تستريحى كفاية .. أكيد مدام مشيرة -
قالت لك كده
لأ .. مش كده .. -
أمال ايه ؟ -
عشان اليوجا -
ايه اليوجا دى ؟ -
دى الروح الشريرة .. بتيجى للاطفال اللى مش بيناموا قبل الساعة اتناشر -
مين قال لك كده ؟ -
أميرة صاحبتى .. -
وهى مين اللى قال لها كده ؟ -
كل اصحابى فى الفصل بيقولوا كده .. -
طيب حبيبتى .. نامى دلوقت .. لسه بدرى عالساعة اتناشر .. تصبحى على خير -
وانت من اهله -

ونامت دندن .. بل وغطت وجهها .. ربما كى لاترى هذه اليوجا اذا حدث وجاءت فعلا
علمت بعد ذلك أن أسمها الويجا .. وهى لعبة من ألعاب تحضير الأرواح السفلية التى تتنبأ بالمستقبل .. لكن هذه تختلف تماما عما يروجه الأطفال فى الصف الثالث الابتدائى بليسيه المعادى .. واندهشت كيف أن المدرسات لم ينتبهن الى ما يتداوله الاطفال ويذهب بهم خيالهم اليه
غير أن المدرسة كان من أجمل مافيها روح الصداقة التى يتآلف بها المدرسون والتلاميذ بحيث يبدو كل شئ شفافا فلا يخفى شئ عن أعينهم مهما بدا غريبا

كان أمامى حل من أثنين .. إما ان اتحدث الى أحدى المدرسات بالمدرسة واترك لها معالجة هذا الأمر .. فقط لازالة الرعب الذى يسكن عقول هؤلاء الصغار ويتسبب فى عدة أشياء
الأول .. أن الواجبات المكلفون بها طويلة جدا وتقتضى أن يتأخر الأولد فى نومهم .. ومع هذه الويجا التى ظهرت لهم فجأة فإن الواجب سيتم كروتته بالتأكيد قبل أن تدق الساعة الثانية عشرة
ثانيا .. الأرق و القلق من ترقب شئ مخيف .. فإن تغلبت على الأرق سيطاردك فى أحلامك
ثالثا .. تلك العقدة من شئ فى سن صغيرة والذى يستدعى وقتا طويلا حتى تنضبط الأمور فى عقولهم

والحل الثانى أن أتناول هذا الأمر بنفسى
أقول الحق .. ملت للثانى .. لأننى أعتبرت البناء الوجدانى لاولادى هو مسئوليتى المباشرة .. وهو مشروع مستمر ينبغى فيه أن نزيل كل التخاريف أولا بأول حتى يستقيم صحيحا لايشوبه شئ
تماما كما كانوا يعلمونهم أن الصيام الهدف منه هو الشعور بجوع الفقير .. وكنت أقول لهم هذا خطأ .. لأنه لو كان صحيحا لأعفى الله الفقراء من الصوم .. انما ذلك لأنه تكليف من الله .. وعلينا طاعته

فى اليوم التالى اتفقنا أنا ودندن – مع الرعب الشديد الذى انتابها مع هذا الاتفاق - أن ننتظر الويجا معا .. حتى الساعة اتناشر .. فاذا ظهرت فاننا سنعطيها حتة علقة حتى لاتجئ الينا مرة ثانية
وأعددنا كل الاسلحة الممكنة .. عصا وحبل حتى نربطها وحزام قديم أيضا
وعند الثانية عشرة بالضبط .. حاولت دندن أن تخفى نفسها تحت الغطاء .. سحبته برفق وأنا أقول
بابا معاكى أهو .. خايفة ليه -
أنام أحسن -
لأ .. هانستناها وبعدين ننام .. ( ثم مخاطبا الحائط ) ياللا ياست ويجا .. -
اتفضلى تعالى ورينا انت فين .. طبعا خايفة تيجى .. لأنك مش موجودة
.. لو كنت موجودة تعالى .. احنا مش خايفين منك
هاتيجى يابابا .. -
مش ممكن .. -
ليه ؟ -
لأنها مش موجودة .. مافيش حاجة اسمها ويجا .. وأميرة ضحكت عليكى ..شفتى -
.. اهى الساعة عدت اتناشر .. فين هى بقى .. وكمان هانقعد خمس دقايق ..برضه ماجاتش ..
ايه رأيك ؟
هى فين الويجا ؟ .. مافيش ويجا .. -
خلاص بكرة فى المدرسة قولى لأميرة أن قعدت مع بابا لحد الساعة اتناشر .. ومالقيناش ويجا -
.. وقولى لياسمين وكارولين وأسماء .. خلاص ؟
أيوه يابابا .. هاقولهم عشان مايخافوش .. -
تصبح على خير ياجميل .. -
ضحكت وقالت ..
وانت من اهله يابابا -

الويجا

Thursday, December 4, 2008

.. كل من أمسك بالقلم راودته فكرة كتابة رواية
كما راودته أحلام كثيرة فى أن يصبح روائيا مشهورا يوما ما .. ومثلى مثل غيرى كنت أفكر فى شئ .. أردته جديدا
مالجديد الممكن وقتها وقد كانت تلك الفترة فترة خصوبة أدبية؟ .. فترة أقام أعمدتها أساطين الأدب الذين كنا نسافر بخيالنا معهم الى ما فوق السحب .. وربما إلى أبعد من ذلك .. هؤلاء أمثال نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف السباعى وغيرهم
ربما اكتفت أحلامنا وقتها بأن نمثل الطبقة الثالثة أو الرابعة المغمورة التى تأمل فى أن ينفتح الباب لها ولو قليلا .. فحتى هذه تتطلب إضافة مختلفة على نحو ما .. وهكذا فكرت .. وبدأت أخطو أولى خطواتى فى قصة قصيرة

لم تكن القصة هدفا فى حد ذاته .. بل كان الهدف الحقيقى أن تكون أرضية مناسبة تصلح تمثيلية سهرة تليفزيونية .. ومنها أعبر الى شئ آخر اهم لدىّ من ذلك .. أن أعرض موسيقاى

دورة طويلة وبعيدة .. أعلم ذلك .. لكننى أخلصت لها .. وقلت حتى هذه ينبغى أن تضيف شيئا .. وهكذا جاءت أولى مؤلفاتى الأدبية التى لم ترى النور الى الآن

يمسك بالقلم مرة أخرى .. وأمامه أوراق كثيرة متناثرة على مكتب .. من الواضح ان هناك محاولات )
متكررة للكتابة ولكن القلم لايطاوعه فى كل مرة .. ينصت قليلا ريثما تلح عليه البداية وتكتمل صورتها فى ذهنه ، ويذهب ببصره بعيدا .. الى نهاية الغرفة تدخل اليه زوجته لتضع أمامه كوبا ً من الشاى فيومئ اليها برأسه شاكراً وهو لايريد أن ينطق .. ولايريد أن يخرج من سرحه هذا ، كأنما لو تكلم ضاع منه الموقف كله .. لكنها قالت مبتسمة
حاجة تانى ؟ .. -
لأ .. متشكر .. وأطرق بعينيه الى الأرض كأنه يقول " لو سمحتى .. سيبينى لوحدى -
شوية " .. وخرجت ..
أخيرا جاءته الفكرة .. واستطيبها .. قال فى نفسه .. هو كده .. وشرع يكتب

فى طريق هادئ على كورنيش النيل .. كانت تسير .. خطواتها مرتبكة .. غير واثقة هذه المرة .. فهى"
تعلم بأن هذا اللقاء سيكون ساخنا بلا شك .. وسيضع حداً ونهاية لكل شئ .. وتسائلت اذا كانت تلك النهاية قد رسمت إطارها وكأنها أمر محتوم .. فلماذا إذاً هذا اللقاء؟ .. لماذا لم يكتفى سامى بإرسال ورقة الطلاق اليها وينتهى كل شئ؟ .. لماذا يجب علىّ أن أعانى مرتين كالتلميذ الراسب الذى علم بنتيجته مسبقاً .. هل يجب عليه أن يتعذب فيرى نتيجته بنفسه؟
لعله يريد أن يتفق معى على ترتيبات معينة بخصوص هشام الصغير .. أكيد
.. ولكنه يعرف أن هشام سيبقى معى .. أمامه ثلاث سنوات حتى تنتهى فترة الحضانة
..وقبل أن ينتهى حوارها مع نفسها كانت قد وصلت الى أحد الكازينوهات على الشاطئ .. دخلت
" وكان ينتظرها وحده .. على مائدة هناك

قال لنفسه .. هكذا تكون البداية .. ساخنة .. ودخول مباشر فى عقدة الموضوع .. أما البداية .. صحيح .. كيف تكون البداية..؟
آه .. البداية فلاش باك .. نعم فلاش باك .. أعود بالقصة مرة أخرى لأحكى من البداية مالسبب الذى ادى بهما الى هذه النتيجة
لا لا .. هذا الفلاش باك غير معقول .. القضية ليست قضية طلاق بالدرجة الأولى .. لابد أن تكون البداية من لون القصة نفسها وليست غريبة عنها
نحى هذه البداية جانبا .. وأطرق يفكر من جديد .. وكتب ..

كانت تسير وحدها .. متأنقة كعادتها .. ترتدى سترة قصيرة وتضع يديها فى جيوبها وقد أحمرت وجنتاها"
قليلا من أثر النسيم البارد الذى يلفح وجهها فى بداية الشتاء
الجميع هجع الى اوكاره .. وآثر الدفء بالمنزل على الخروج .. فبدت الشوارع خالية تقريبا من الناس .. وأمام احد الاكشاك وقفت تبتاع شيئا .. وكأن من يراها يظن بأنها لاتكترث لشئ .. بينما داخلها آتون يعتمل .. يختفى تحت ذلك الستار الرقيق من النفس الهادئة
" والشخصية الواثقة .. ثم دخلت أحد المطاعم بالمدينة

قال لنفسه .. معقول .. وقد استعذب طريقة عرضه لهذه الشخصية .. قال .. هكذا هى حقيقة كل فنان .. وهى فنانة .. لابد أن يستمر داخلها هذا الآتون .. بينما لاينم خارجها عن شئ

ولكن الا ترى أن هذا الآتون قد تخرج منه أحد الالسنة فتظهر على السطح ؟
ان الفنان يشعر دائما بشوق شديد الى الحرية .. فكأنما تحيطه الأغلال من كل جانب .. وانما يتحرر فى حالة واحدة .. حين يخرج مابداخله .. فيعرفه الناس .. وقد يتهمونه بالجنون والبلاهة أولا .. ثم يحسون بصدق مشاعره .. ويؤمنون به .. وهنا يكون قد روى ظمأه

انما ليس بالضرورة أن يكون الفنان غريبا .. أو شاذا .. يمكنه ان يكون محترما ايضا
أو ليس يتوه فى عالم آخر ويندمج فيه حتى ينسى عالمه؟
بلى .. ولعله يفلت منه شئ .. دون قصد .. فيلتفت اليه الجميع .. وكأن أحدهم يقول " قفشتك" .. وشرع يكتب

وجلست الى مائدة .. ودون حديث مسموع الا موسيقى هادئة جميلة .. يقترب منها المضيف فتطلب كوبا"
من العصير .. فينصرف .. ويتركها وحدها تعيش مع الموسيقى .. وإذ تسمع أغنية تحبها .. تغنى معها فى صوت خافت .. ويعلو صوتها قليلا دون ان تدرى .. حتى تنتبه الى ذلك الجالس وحده الى مائدة مجاورة .. ينصت اليها وهو يبتسم .. فصوتها جميل فعلا .. وحين انتبهت انتابها الخجل .. فتوقفت عن الغناء .. وبالأخص وأن هناك من يضع أمامها ما طلبت
مالأمر ؟ .. هل تريد أن تغنى فى مكان وحدها ؟ يبدو انه كذلك .. ربما اتاح لها ذلك أن تعلو بصوتها ماشاءت
ولكن أين ؟ .. بالمنزل ؟ .. إن أشق ماعلى فنان هو تلك النظرات التى تحيط به وهو لايكف عن التكرار حتى يصل لاجمل ماعنده .. كأن الفنانين يجب أن ينعزلوا عن الدنيا
فإن رأيت أحدهم وهو يغنى بصوت عال .. ويندمج فى الغناء .. فانه لايقدر موقفه الا موسيقى يجلس وحده تحت شجرة ويصفر لحنا يدور بذهنه .. أو شاعر ينظر الى الشمس فى الافق .. ويتكرر على لسانه نصف بيت .. ينتظر أن يأتيه النصف الآخر
"أما وسط الناس .. فإن الأمر مخجل تماما

( قال لنفسه .. الى حد كبير نسجنا الخواطر والمشاعر الحقيقية لفنانة .. لابأس

الجديد فى هذا العمل انه يحكى مشاعر فنانة .. مشاعر حقيقية .. والمستوى الأعلى من ذلك .. يحكى أيضا كيف تتفاعل وتتداخل أحاسيس الكاتب المختلفة .. بل كيف تتنازعه بدايات مختلفة .. وانسجة درامية متنوعة حتى يكتمل معه البنيان فى النهاية

الحقيقة أن هذا العمل وصل الى مخرج بالقناة الثالثة وقتها .. وجزء منه انتهى منه سيناريست مشهور .. وتم الاتفاق مع بطلة التمثيلية .. بل لااتعدى القول ان قلت بأن هذا العمل كله صنع من أجل خاطرها

.. لكن هذا العمل لم يكتمل

أول رواية ..

Monday, December 1, 2008

كنا خمسة نركب جيب سى جى فايف .. فى معاونة فنية الى احد اللواءات
وبعد ان انتهينا من المرور على احدى الوحدات تحركنا على مهل من الرمل الى الطريق الاسفلت حتى نتحرك شمالا الى راس برانى بالمنطقة الغربية
كان اليوم عاصفا غريبا .. تنزلق فيه حبات الرمل على الزجاج الامامى بغزارة كأنه الماء على زجاج احد محلات الورود .. والرؤية متعذرة قليلا
لكنها مهمة لابد من الانتهاء منها .. حتى يكتمل تمام الاستعداد القتالى لهذا اللواء .. واقتربت عجلات السيارة من الطريق الاسفلت .. وماكادت حتى سمعنا دويا ضخما وكأنه انفجار قلب بنا السيارة للداخل عدة مرات حتى استقرت على جانبها الايسر .. وفوجئ الجالسون بالمقعد العرضى الأيمن بأنفسهم على حجور الجالسين على الأيسر .. ومن بعيد لمحنا عربة خزان ماء تجرى بكل سرعتها وتبتعد شمالا

خرجنا بصعوبة .. لنجد العربة مقطوعة بالسكين من فانوس الاضاءة الخلفى الايمن .. الى الكشاف
!! .. الامامى الايمن
يعنى لولا انقلبنا على الآخرين .. لهلك ثلاثة أفراد أنا من بينهم
وبينما نتشاهد ونحمد الله على السلامة .. وبعد ان هدأنا قليلا قلت ..
الحمد لله .. نكمل يا جماعة .. -
انفجروا فى ..
مأمورية ايه ؟ والله ماحنا مكملين .. ايه الشغلانة الشؤم دى -
ماحنا كده كده واقعة فى أرابيزنا .. -
مش هانعمل حاجة النهاردة .. نرجع نصلى ركعتين كده ونستهدى بالله .. -
وبكرة حتى يكون الجو اتعدل .. بدل ماهو زحل من اوله كده .. هم يعنى هايتحركوا بكرة ؟
وفعلا .. عدنا الى المعسكر .. هم مخضوضين .. وانا كما لو كنت سرقانى السكينة

.. كثيرة هى المرات التى رأيت فيها الموت وجها لوجه
أذكر فى يوم كنت ضابط عظيم رماية فى الهايكستب .. وهكذا كنت مسئولا عن ميدان رماية فى أحد التدريبات .. والانضباط فى هذه الميادين هى اعلى درجات الانضباط
فلا يتقدم صف قبل التأكد من خلاء منصة الضرب تماما ممن يسجلون اصابات الاهداف .. ثم يرقد الصف بأوامر .. ثم يعمرّ السلاح .. ثم يصوب ويبدأ الضرب عندما يكون جاهزا
بعد الضرب يفرغ السلاح ويخلغ الخزانة ثم ينهض .. ويبدأ المسجلون فى الحصر والتسجيل .. هذا فى البندقية .. أما فى مدفع الرشاش فليس هناك رقود .. الرماية بالتوجيه على الهدف واقفا .. وبعد الانتهاء .. لابد ان يكون السلاح مائلا .. وفوهته الى الأرض
وبينما كنت أمر من خلف احد صفوف الضباط .. وبحركة عفوية من احد الضباط رفع المدفع بدلا من امالته
!!.. وخرجت دفعة رصاص أمام وجهى
سارع المراقب فامال الرشاش الى الارض .. ونزع الخزانة .. وفرغ الاجزاء .. وبعد انتهاء الصف من الرماية أخذوه بعيدا
النظام فى ميدان الرماية يعادل حالة الحرب .. واقل مافى هذا الموقف هو محكمة عسكرية ..وهو ضابط احتياط .. ومحكمة عسكرية معناها ضرر شديد له قد يودى بمستقبله
أمرت بوضعه تحت التحفظ الى ان استدعيه
وفى تقريرى عن هذا اليوم .. لم أدرى .. كيف أذكر واقعة كهذه ؟ وكيف أعاقبه عقابا شديدا .. دون أن اؤثر على مستقبله وهو فى مقتبل عمره ؟
فلنفسه لابد ان يتعلم الالتزام الشديد بما يفعل .. لايزال شابا يافعا أمامه الكثير من المواقف التى تتطلب رباطة الجأش والحذر
وللآخرين .. لابد أن يكون درساً .. وعبرة أيضا
تركته عدة أيام فى خدمات متوالية .. كان أقسى ماعلى النفس فيها انه ظل خائفا مترقبا لايدرى مايفعل به .. وأنا أعرف من زملائه انه يكاد لا ينام .. مع كل الهواجس ومايرد الى سمعه من حالات مشابهة والاحكام المشددة التى تلتها
.. كنت أعلم ان هذا العقاب هو أشد من أى عقاب .. انتظار بلوى لاتدرى ابعادها
فى النهاية ذكرت ماحدث .. وكتبت انه حادث غير مقصود .. فخفف ذلك من الأمر كثيرا .. نسيت أيضا ان أقول بأن هذا الموقف كاد ان يودى بى شخصيا
مرّ ذلك الشريط كغيره مما كنت فيه قاب قوسين أو أدنى من نيل تأشيرة خروج الى السماء .. خارج الحياة والدنيا
.. وهناك فى خيمة قائد اللواء كنا نتسامر
ياسيادة القائد .. اللواء تقريبا مستعد قتاليا .. لكن طلبات رفع الكفاءة مبالغ فيها شوية -
.. مائتين غطا مشمع لمواسير المدافع طلب معقول .. لكن كمية النظارات البلاستيك المطلوبة للافراد كبيرة جدا
مش ممكن شوية يتكسروا يبقى عندى تعويض ؟ -
عالعموم هايتم توفير ذلك يمكن بكرة بالكتير .. -
وبعد كده .. هاطلب حاجات اكتر .. -
وتمام الاستعداد ؟ -
أنا القائد .. وانا اللى هدّى تمام الاستعداد للقيادة .. وده صعب تاخدوه منى .. -
بعد كل المجهود ده ؟ -
أنا عارف ان كفاءتى القتالية عالية جدا .. ممكن حدّ يفهمنى يعنى ايه مهمة اربعمائة كيلو فى الجنوب ؟ -
تروح فين .. وتعمل ايه ؟
دى مهمة من أجل التأمين .. -
تأمين أيه ؟ انتوا متخيلين انى ممكن ادى أمر بضرب النار على شقيق ؟ ازاى ؟ -
انا بعد كلى تاريخى العسكرى .. يتكتب فيه انى اديت اوامر بالضرب على اشقاء ؟ مش هاقدر .. انا حاربت كل الحروب .. والحمد لله عندى الاوسمة اللى تشهد على ذلك .. هناك .. كان ممكن .. بمنتهى الثبات والجدية وانت مطمئن تماما لعقيدك ومفاهيمك .. انما هنا ايه ؟
هنا برضه بعض التعديات .. -
آه .. يعنى اما اخوك الصغير يغلط فيك .. تقرصه من ودنه .. ولاتدبحه ؟ مش تقولوا كلام معقول ؟ -

وانصرف القائد الى لعبته المفضلة مع جنوده .. الكرة الطائرة

ذات مساء .. فى صحراء غرب البلاد
&

Sunday, November 16, 2008

.. نلت علقة ساخنة
.. وبالشماعة على قدميى
نعم أغلق أبى باب الحجرة .. وأوسعنى ضربا .. ورغم الألم الذى كادت تزهق له روحى .. وبكائى الذى لم ينقطع .. حرصت على عدم الصراخ

فأنا أعانى مرتين بهذه الصورة .. قد تفلت منى صرخة مكتومة .. لكن حرصى الاشد هو الا تسمعنى جدتى أو خالى وأنا أصرخ .. لو كانت أمى لأطلقت لنفسى كل صراخ الدنيا .. ولعلى استرحمها أيضا .. فهى أمى .. وهى الرحمة والملاذ .. أما غيرها فلا ..هكذا كانت تركيبة عقلى الطفولى وأنا فى العاشرة من عمرى

السبب اننى تقهقرت الى المرتبة السابعة عشرة على الفصل .. كنت لاأحب المدرسة وأنا فى الصف الرابع .. ولعلى فى الواقع كنت أكره حياتى بعيدا عن أمى واخوتى فى هذه السن .. فهم هناك بالصعيد .. وأنا هنا لأكمل شهادتى الابتدائية الفرنسية .. فقد نقل أبى الى الصعيد حيث لاتتوفر تلك المدارس .. وكان مهتما بأن يكمل مشوارا بدأه معى .. متوسما آمالا كثيرة فى المستقبل بهذه الشهادة
وكنت قد أكملت حتى الصف الثالث حينما كنا فى بورسعيد .. وبعدها .. اضطر لتركى وحيدا مع جدتى وخالى بشبرا لاستكمال هذا المشوار الغريب أنه نقل الى الصعيد بعد مشادة بينه وبين الحكمدار .. وكانت النتيجة ان انتقل البيت كله الى ابى قرقاص .. وأيا كانت الاسباب او مع من الحق .. فالحقيقة اننى أنا الذى دفعت الثمن .. وبالتأكيد أمى وربما اخوتى الصغار

المهم اننى فى آخر العام كنت مهددا بالرسوب .. وهذا مالاتحتمله أعصاب أبى ولاجيوبه أيضا .. فالمصروفات بالنسبة اليه عالية .. أغلبها يسددها بالقسط .. والسلف وكل وسائل التمويل الاجتماعى المعروفة وقتها وهو العائل الوحيد لأسرة بها أربعة أطفال .. لدى ثلاث ملاحق .. فى الرياضيات والعلوم والجغرافيا .. ولابد أن أجتازها قبل الانتقال للصف الأعلى .. يعنى فى سبتمبر القادم .. وفى

!! .. هذا الصيف بالذات كان أولاد عمتى يقضون الصيف عندنا بالصعيد

كلنا فى أعمار متقاربة .. أينا يقول للشقاوة قومى وأنا اقعد مطرحك .. ومين ده اللى يذاكر فى الاجازة وانا ماصدقت المدرسة خلصت .. تلك كانت تحتاج خطة لاقناعى بالمذاكرة فى الاجازة .. ولو على بسيط بمساعدة استاذ كشكول محنّك لاتخطى الملاحق بسلام وارحم ابى من عناء جديد

وتوصلوا اليها .. أستاذ عجوز للغة الفرنسية فى هذه البلدة .. كان من الأعيان .. لديه بيت كبير وحديقة غناء بها أشجار كثيرة وفواكه لاأنكر انها أسرتنى .. وكان أحلى ما فيها أشجار المامبوزيا الزرقاء .. شكلا .. ولونا .. وطعما
غير اننى لم يكن يكفينى هذا .. لابد أن يداعب شئ خيالى .. ويستحث قدرتى على الابداع .. فقد أقمت عالما خاص بى من الشمع السائح عند جدتى لاننى كنت وحيدا .. وذلك من آثار الزارات التى كانت تقيمها هناك .. والتى اتيت بنماذج منها الى بيتنا بالصعيد لالعب بها مع اخوتى وابناء عمتى
ولما حكيت كل ذلك لاستاذى الجديد أقنعنى بعمل راديو بكريستالة وبطارية
فجأة .. تحول انتباهى وكل حواسى الى ذلك العبقرى الذى سيقتلعنى الى عالم احبه
صحيح ؟ .. -
آه .. وهانسمع فيه موسيقى وأغانى .. -
والأخبار ؟ بابا بيحب الاخبار .. وأنا عاوز اوريه .. -
والأخبار كمان .. بس لازم نقرا شوية علوم ورياضة -
قلت بضيق شديد
تانى ؟ .. -
أمال نوصّل السلك ازاى ؟ .. ونحسب طوله ازاى .. ونوصله قبل الكريستالة والميكرفون -
ولا بعد الايريال
.. وأخيرا على مضض
... طيب زى بعضه .. -

كانت هذه هى الحيلة .. وكان هذا الرجل ذكيا فآرانى دوائر كثيرة لم أفهم منها شيئا .. ولكن كان كلى يقين انه سيعلمنى كيف أصنع راديو فى النهاية وهذا كفيل بتنويمى مغناطيسيا والانقياد للنهاية

كذلك كان يكافئنى بعدد من ثمرات المامبوزيا .. يوازى عدد الاجابات الصحيحة التى اصبتها .. وهكذا مرت الاجازة .. نصفها لعب .. والنصف الآخر مذاكرة بس ايه .. كنت اغيظ ولاد عمتى بعدد المامبوزيات التى حصلت عليها .. والتى كنت لاآكل واحدة منها قبل الوصول الى البيت طبعا .. وفى النهاية حينما يصعبوا علىّ .. كنت أعطيهم منها .. زى بعضه .. لكن ليس قبل انتهاء العرض الأول
فى النهاية لا عملت راديو ولايحزنون .. فقط ملأت بطنى بالمامبوزيا ولم أر الا دوائر غامضة وأقصى توصيلة عملناها هى لاضاءة لمبة صغيرة أوهمنى بانها لمبة الراديو .. التى اذا انارت .. وصل الارسال .. فهكذا كانت راديوهات زمان أضاءت اللمبة كثيرا .. ولم يصل الارسال أبدا

فى النهاية أيضا نجحت فى الملاحق الثلاثة .. وأرهقت كثيرا الى درجة المرض .. وفى وقت خشى فيه أبى من أن يضيع هذا المجهود كله .. الا ان الله سلّم

الغريب أن درجاتى كانت عالية فى الملاحق .. الى درجة أنهم اقترحوا أن آخذ سنتين فى سنة .. يعنى خمسة وستة مع بعض

كانت كلمة السرّ .. لو خدت السنتين مع بعض .. هاتيجى تقعد مع ماما
!! .. وأجتزت عامين فى عام واحد

قل ماما .. تنفتح لك الدنيا

Tuesday, November 11, 2008

طارت بى الموسيقى الى هناك .. حيث سيدنى هاربر .. الى حيث الطبيعة بجمالها الآخاذ .. بجبالها الممكسوة بالخضرة والاشجار التى تتوارى البيوت البعيدة خلفها .. والسماء الصافية المفتوحة لمن يريد ان يطير .. والبحر الهادئ المنطلق فلا يطوله البصر .. يتدثر بالازرق المتدرج من الفيروز الى النيلى .. وتتناثر عليه لآلئ من اشرعة بيضاء للمراكب ترسم دوائر بعيدة على صفحته

على الجانب الآخر بدأت فرقة راقصة فى تقديم عروضها .. كانت بروفة نهائية .. شباب وفتيات بعضهن متزوج حديثا .. يصطحب معه طفله الرضيع فى سلة رائعة يتبادلونها مع بعضهم البعض .. فيرقص الجميع .. بينما هو نائم فى سلام ربما على تلك الانغام .. فهى فقط لاتهدهده .. وانما تهيم بارواحنا الى عالم بعيد .. لانريد العودة منه

بعض الشيللوهات .. والفيولينات تنساب من اوتارها تلك الالحان المتدفقة التى تعلو رويدا رويدا لتملأ المكان
هل قلت تنساب ؟ .. أم تنزلق كما ينزلق الماء من بين أصابعها ..؟ هى قالت هذا وهى تهذب خصلات ابنتها يوم زفافها .. وتغنى لها غير مصدقة انها شبت عن الطوق فاضحت عروسا جميلة .. وهى التى منذ سنوات قليلة كانت تتعلق بيدها الى المدرسة

أم انها الجيتارات الصاخبة التى تملأ الدنيا روعة وضجيجا ؟
فانا اعرف نفسى .. احب ان استمع الى الموسيقى فى السماء المفتوحة .. والافضل ان تملأها الجيتارات .. فهى أجمل ما يحتويك وينشر البهجة والحيوية والأمل أيضا ..
وهكذا تمنحك مقامات الماجير تلك القوة الغريبة فتنهض من جلستك على الأرض أو السلم .. وتنفض سروالك وتدع عنك الدعة والكسل لتقفزفى الهواء
لست وحدك .. كل من حولك يملأوه نفس الشعور .. من أصغر صبى .. الى أكثرهم احتراما ووقارا .. لاتصدق إن قال .. انا ؟ لايمكن

لكنك قلت الجيتارات .. فهل سمعت أجمل من جيتارات الآبا ؟ .. بعد وقت طويل كنت أظن انهم اختفوا فلم اسمع عنهم كثيرا .. لكن كل الذين يعشقونهم اعادوهم مرة اخرى الى المسرح واخيرا فى ذلك الفيلم الرائع
Mamma Mia ..

كنا مجموعة من الاصدقاء المحببين الى قلبى .. ولم تكن المرة الأولى لمشاهدتى له .. فقد احببته كثيرا .. واحببت ان يراه كل من احبهم أيضا .. باختصار كانت دعوة لنعيش خارج الزمان ولو لوقت قصير

هل تنقلنا الموسيقى فجأة الى عالم غريب ؟ هل يمكن ان تكون سببا فى تغيير المصير ؟ أكاد اقول نعم .. فحينما بدأت حياتنا فى بيتنا الصغير .. كانت هى التى تنقلنى الى هناك بعيدا .. الى ابعد مايذهب اليه خيالك .. الى النصف الآخر من الكرة الارضية فكانت أول نبتة فى ارض طموحى .. واول طيف فى احلامى .. حلم الهجرة .. وبعد ان تحقق لازالت روحى الى الآن تنتمى الى هناك .. وتنتمى ايضا الى هؤلاء الذين يعيشون بارواحهم هناك

اقول .. انا لا اتخيل الحياة بدونها .. فهى الخيط الرفيع الذى يربطك بها فتظل روحك مزهرة .. حتى إن استحالت صحراء مجدبة لا تقدم الكثير .. وحتى لو اضحت ايامك بلا ألوان .. فالرحيل خارج الزمن هو المأوى .. وهو الذى تنسى معه من انت .. واين كنت .. فترتدى عباءة جديدة .. وتنتشى لوقت هو من احلى الاوقات .. فاذا انتهت الرحلة تخلع عباءتك .. وتعود اكثر اقبالا على الحياة .. فى انتظار رحلة أخرى

لاتقلق كثيرا ان فاتك هذا المركب .. فهناك ثانى وثالث .. يعبر بك الى الجانب الآخر .. كلهم يضحكون .. كلهم تركوا اعمارهم وهمومهم على هذا الشاطئ .. لينضموا الى القافلة

الطبيعة الخلابة والموسيقى التى تسحر الوجود وهؤلاء الناس الرائعين هناك ومن حولى صنعت ذلك المزيج فى خيالى .. وفى الواقع على ضفاف سيدنى احاول الانضمام لفرقة راقصة بموسيقاى .. وسرحت .. قال لى

اذن فقد طفت الكرة الارضية .. واتيت الى هنا .. لتنضم الى ذلك الفريق الاثيرى الذى تحبه ؟ -
هه ..؟ -

انتهى الفيلم .. ولايزال الناس جالسين .. ولا زالت قدماى لاتريد أن تغادر .. ليس انا فقط .. واصدقائى كذلك


Mamma Mia ..

Wednesday, November 5, 2008

فى الساعة الثامنة مساءا دق جرس التليفون فى بيتنا
باشمهندس شريف ممكن تشرفنا دلوقتى فى المكتب -
يادكتور .. دلوقتى صعب شوية .. -
فيه مانع ؟ -
الحقيقة أنا عندى السباك بيشتغل فى المطبخ والدنيا -
ملخبطة .. يمكن حضرتك سامع الدقّ والتكسير
طب ماتسيبه يشتغل وشرّفنا ساعة ولاحاجة .. -
السيد رئيس مجلس الادارة عايز يشوفك ..
المشكلة انى لوحدى فى الشقة .. ومش قادر -
اسيبه وانزل .. لو ممكن حضرتك آخد ميعاد تانى ؟
هاحاول .. بس بصراحة مش سهل آخد -
ميعاد تانى .. هو كان عاوز يشوفك دلوقتى ..
أنا آسف جدا .. مش عارف أعمل أيه .. -
عالعموم هابقى اتصل بيك لو فيه ميعاد تانى .. -

الموعد هو مقابلة شخصية فى الصراع المحموم للبحث عن وظيفة محترمة بعد عودتنا من استراليا .. والحقيقة اننى لم اكن وحدى بالمنزل .. كانت زوجتى موجودة .. وأذنها معى فى هذا الحديث .. وماكاد ينتهى حتى انهال على هذا الوابل
ايه الكلام الغريب ده ؟ -
فيه ايه ؟ -
مانزلتش ليه ؟ -
أنزل فين ؟ -
تروح تقابل الراجل .. -
هو كده ؟ فى أى وقت وأى مكان ؟ .. تعالى فى اى وقت .. -
روح فى اى وقت ..
أنت مجنون ؟ هى الناس دى ماوراهاش غيرك ؟ يمكن الراجل مشغول -
.. ماعندوش وقت تانى ..
والله لو عايزينى هايتصلوا تانى .. -
يا سلام .. الناس بتحفى عشان تلقى حاجة كويسة .. -
وانت تقول له السباك ؟ سباك ايه ما انا قاعدة أهو ..
ياستى أكيد هايتكلموا تانى .. -
ابقى قابلنى .. -
هو يعنى لو رحت خلاص خدت الوظيفة ؟ مايمكن ماعجبهمش .. -
يبقى عملنا اللى علينا .. الفرصة اللى بتيجى مش بترجع تانى .. -
الحاجات دى بتاعة ربنا .. خليها على الله .. -

لكنهم لم يتصلوا ولايحزنون .. وضاعت الوظيفة
كنت قاب قوسين أو أدنى لتقلد وظيفة رائعة فى تلك المدينة الجديدة .. وانتهت المنافسة الى اثنين .. أنا ومهندس آخر قوى هو الآخر فاز بالوظيفة

المدينة بعيدة صحيح .. لكن الوظيفة تستحق .. أنا نفسى لم أفهم لماذا كان هذا ردّى
هل هو لأنها كانت مفاجأة لم استعد لها نفسيا ؟ ربما .. لابد أن أعترف باننى أنزعج من المفاجآت .. لا .. ليس بالضبط .. فهناك الكثير من المواقف التى كنت فيها من أسرع الذين يقررون قرارا صائبا حين يلجم الموقف الكثيرين

حدث ذلك حينما اشتعل حريق بسبب الكهرباء فى معسكرى .. فصحت تلقائيا وأنا أهرول مع الجميع .. كله بالرمل .. كله بالرمل.. لانبهم الى خطورة الماء وقتها
حدث مرة أخرى حين تعثرت زوجتى وجرحت وكان على الذهاب بها الى المستشفى واستلزم ذلك جراحة بسيطة فى الوجه .. ثم فحص كسور فى مستشفى أخرى .. كل هذا يبدو عاديا .. يحدث فى كل يوم وأكثر منه .. لكن قبل سفرك للخارج بست ساعات .. وأن تنتهى من كل ذلك .. وتسافر فى الوقت المحدد ؟ فهذا يتطلب على الاقل اعصابا هادئة وسرعة

إذن لماذا ؟ هاتف غريب اعترانى وقتها بأن اؤجل هذه المقابلة وهكذا فعلت .. وضاعت تلك الفرصة .. غير اننى لست ممن يعتقدون فى أن الفرصة اذا ذهبت لاتعود .. ولكنى اقول .. بل يأتى ربما ماهو أحسن منها .. فالمولى يقول " كل يوم هو فى شأن" يعنى كل يوم فيه أمل جديد

بعدها عملت بوظيفة مماثلة فى شركة أخرى .. ولكن فى مدبنة قريبة .. وحمدت الله على ذلك
ولم تمض ثلاث شهور حتى فوجئنا بأن الشركة قد بيعت لمالك جديد .. وساورتنا شكوك كثيرة وقلق على وظائفنا .. فالمالك الجديد لايعجبه أحد بسهولة .. وهو يرمى للكمال والاناقة فى كل شئ حتى العمل
هكذا تمت الصفقة بين عشية وضحاها فى رحلة قصيرة بين القاهرة وجدة .. وكان علينا الانتظار لانغادر لأن صاحب الشركة الجديد يريد أن يتعرف علينا جميعا

ووصل بعد منتصف الليل .. وكان يمر معه المدير العام يقدم الناس اليه ويعرفه بهم .. وحين جاء دورى .. قال المدير
مهندس شريف .. مدير ادارة الجودة -
عارفه .. هو كان المفروض يبقى عندنا من فترة .. وآديه رجع لنا برضه -

عندى سباك ..

Thursday, October 30, 2008

Roliflex كانت معنا الكاميرا ال
وهذه كاميرا ذات عدسة مزدوجة لها غطاء يخفى المنظور ويفتح لأعلى .. وما تعكسه المرآة نقى واضح الألوان غير مانراه بالعين المجردة .. لكن الافلام الملونة نفسها لم تكن قد وصلت الى مصر بعد

وفى أجازة نصف السنة أنطلقنا أنا وأدهم الى صحراء التل الكبير .. وكان والدى وقتها مأمور التل الكبير .. بلدة صغيرة بسيطة تحولت حديثا الى قسم ( حديثا فى وقتها) .. لها نادى ريفى يقضى فيه بعض رموز البلدة مساءهم .. إما فى لعب الطاولة .. وهى طاولة وحيدة يلعب بها اثنين .. والباقى بالطبع من المشجعين .. والا تطوع كل واحد باحضار ماعنده من دومينو او شطرنج من باب التغيير .. أما الكوتشينة فلا .. فهى رجس من عمل الشيطان يقود الى الميسر وغيره من المفسدات والعياذ بالله
!! .. قال يعنى لايمكن لعب الطاولة أو الدومينو على رهان

هذه البلدة الآمنة كان أقصى مايمكنا عمله فيها هو لعب الكرة على احسن تقدير .. فالنوم المبكر هو احد سماتها الاساسية .. ورغم التطوير الذى امتد لمعظم أنحاء الريف .. فإن انقطاع الكهرباء المتكرر حافظ لها على هذه السمة وترك لها الحواديت ثم النوم بعد العشاء
.. غير أننا كان لنا شأن آخر

فأدهم طالب فى كلية الفنون الجميلة قسم تصوير سينمائى .. دائما تجده محملا بحقائب مختلفة الاحجام وكأنه رحالة .. فهذه فيها بكرة الافلام الخام .. علبة معدنية مستديرة بها شريط مستمر من الفيلم الخام الذى يقتطع منه على قدر حاجته ويحشو به الروليفلكس المحترفة .. وأخرى مجموعة فلاتر لتخفيف الاضاءة .. وازالة اللون الاحمر .. وآخر لتوضيح الحدود .. وعلبة بها معدات لتنظيف العدسات وهكذا .. فهو مشروع مصور سينمائى ومنه مخرج مشهور بعون الله

أما أنا فكنت فى الصف الأول الثانوى .. وكنت شغوفا بمادة توفرت بكثرة فى التل الكبير .. هى الطين الاسوانلى ( هكذا كنا نسميه وهو الطين الاسوانى) .. وهذا نوع من الصلصال الطبيعى كنت أصنع به التماثيل الصغيرة والكبيرة وأضعها فى معرض بالحديقة الخلفية للفيلا التى كنا نقطنها .. وهى فيلا وظيفية نغادرها بانتقال السيد الوالد الى مكان آخر .. لاحدّ يفهم كده ولا كده

والحقيقة اننى كنت ماهر فى النحت واستمتع بهوايتى هذه فى هذا البلد الصغير .. الى جانب الكرة التى يلعبها الجميع
وهكذا انطلقنا الى الصحراء .. أنا أبحث عن الطين .. وهو يبحث عن لقطات فريدة غريبة يستعرض فيها قدرته على الابداع .. يملاؤه شعور عارم بانه مخرج كبير .. معظم المخرجين العظام بدأوا خلف الكاميرا .. وبعد أن تحولوا الى مخرجين فإنك تجدهم لازالوا متشعلقين بالكاميرات لايفارقونها

أما أنا فيملأنى شعور لاادرى من أين أتى بأنى سأصبح فنانا مشهورا أيضا .. صحيح غير محدد فى أى طريق .. الرسم أو النحت أو الموسيقى .. لكن كان هذا أملى
شكلنا ونحن نمشى فى الصحراء كإثنين رحّالة تاها فى الصحراء .. وجدت أنا بغيتى وأخذت منها ما يكفينى فملأت الحقيبة .. وبقى أن نبحث عن لقطات .. قد تصور مجموعة مناظر طبيعية غريبة .. أو تحكى قصة .. نعم .. فلتكن قصة هذين الرحالتين الذين تاها
صورة وهما يمشيان وسط الصخور .. وصورة يتناولان فيها الأعشاب .. وأخرى .. لاندرى وبعد تمحيص أدركنا ان كل هذه الصور لاتشد او تلفت نظر حتى فار معدّى

كان لابد من شئ غريب.. مارأيك فى سقوط أحد الرحالتين من علٍ ؟ .. لكن من هو ياترى الشجاع الجسور الذى سيلقى بنفسه من علٍ ؟
( طبعا هاتقوللى مش ممكن يكون أنا .. لأن أنت اللى هاتصور؟ (هذا أنا -
ماهو أنا اللى لازم آخد اللقطة فى اللحظة المناسبة .. لو بتعرف تضبط الكاميرا كان ممكن -
وانت بقى هاتقف تحت ؟ -
وهابقى جاهز لكل حاجة .. -
أسمع .. أنا هاعمل الحكاية دى مرة واحدة عشان خاطرك .. -
لأ .. ممكن مرة ماتكفيش .. أو مالحقش .. -
طب بس تعالى نشوف مكان مناسب عالى .. شبه جبل المقطم .. -
أو صخرة جانبية .. اقدر اعمل فيها الشوط ده ..
عندك حق .. تعالى نختار المكان الأول .. -

وبعد بحث قصير وجدناه .. وأعد هو عدته .. وثبت الكاميرا على الحامل أسفل الصخرة المنشودة .. واستعد
وبينما لم يستغرق البحث كثيرا .. استغرق اصطياد لقطة مثيرة حوالى عشرين محاولة كنا نستعجل الأخيرة منها قبل حلول الظلام

وأخيرا تمت اللقطة .. وكانت معبّرة .. فيها المفاجأة على وجه الرحّالة وهو يسقط من علٍ .. وقسوة الصحراء والرمال
هذه اللقطة لطالب مبتدئ حصل هو فيها على امتياز .. بينما لم أحصل أنا على وسام الشجاعة والاقدام ..

الذى حدث بعد ذلك انه لم يصبح مخرجا .. ولم أصبح أنا فنانا .. أصبحنا نحن الاثنين ضباطا بالقوات المسلحة بعد يونيو 67
.. فقد تبدلت الأدوار و المصائر .. واصبح لنا دور آخر

هاتقدر تنط ؟ ..
طبعا .. ودى عايزة كلام

Friday, October 24, 2008

فى الصباح أخذت حماما سريعا .. وصليت الصبح وأنا أدعو دعوة واحدة
اللهم ارحمها وارحمنا جميعا
اللهم عافها واشفيها يارب

قلت لها
تعالى الأول ناخد حاجة خفيفة وتشربى -
عصير وبعدين نروح مستشفى تبارك
للاطفال
لا يابابا خلينا نروح الاول تبارك نطمن على لى لى عشان بتكح بقالها مدة .. بعدين نوديها الحضانة .. -
يمكن مانلحقش .. لازم نبتدى صيام قبلها باربع ساعات على الاقل .. -
مش هاتفرق كتير .. ما انا كنت واكلة ورحت المستشفى اطمّن وفوجئت بالولادة -
.. دخلونى أودة العمليات ..
مايجراش حاجة لو سمعنا الكلام .. -
تلات ساعات زى اربعة .. وبعدين على مالدكتور ييجى ونجهز .. -

كانت تحركاتنا هادئة و متوالية .. فالاذهان مشوشة .. والكلام قليل .. فقط جو مشحون بالترقب .. والدعاء ..
انتهينا من تبارك .. ووصّلنا لى لى الحضانة .. وعرفتهم بنفسى لاننى المنوط بى احضارها فى المساء بدلا من والدتها .. وعلى مقهى حديث تناولت هى ساندويتش وعصير .. وتناولت أنا القهوة .. ثم عدنا الى المنزل .. أعددنا العدة .. وعادت ماما وقرأت لها آية الكرسى والاخلاص والمعوذتين
قلت لها
حبيبى .. قولى ان الذى فرض عليك القرآن لرادك الى معاد .. -
( تقوله سرا ) .. -
لااله الا الله .. -
محمد رسول الله -

أخذنا الحقيبة .. وانطلقنا الى مستشفى الصفا بالمهندسين .. واستغرق الزحام الرهيب معظم الوقت .. أنزلتهم هناك .. وذهبت أبحث عن مكان للسيارة .. فدرت لاكثر من نصف ساعة بلا جدوى .. وأخيرا كنا اقتربنا كثيرا من موعد خروج لى لى من الحضانة .. صاحبتنى مى بنت اختى الى مصر الجديدة .. تحاول أن تسرّى عنى .. وأنا انظر اليها مبتسما .. ولا أتكلم الا قليلا .. كأننى نذرت صوما

أعرف لنفسى طقوسا تخصنى .. ففى مثل هذه الظروف أميل لأن أسخر نفسى للجميع .. وأبذل مجهودا شاقا فوق العادة .. وامتنع عن كثير وأوله الطعام والشراب .. وأحس كأن الله يراقبنى .. وأننى أخاطبه فأقول .. ربى .. هاأنا ذا بين يديك .. افعل بى ماشئت .. لكن لاتسيئنى فى أقرب الناس الىّ

حاولت الاتصال بماما .. لم تردّ .. تحدثت الى اختى هناك .. قالت أنها تصلى .. وأن لولو فى مرحلة الاعداد والتجهيز فى تمام الرابعة .. جاءنى صوت زوجتى هادئا يكاد يحبس دموعها من القلق
أيوه ياشريف .. دخلت أودة العمليات بالسلامة .. -
خير ان شاء الله .. -
هربت دموعى .. ولم امنعها .. فهى بين يدى الرحمن فى هذه الآونة .. تمنيت أن أكون بدلا منها .. لم اتحمل صورة مشرط الجراح على جسدها الضئيل فى خاطرى .. أنا حتى لم اعطى فرصة تشجيعها وتقبيلها فى جبينها لأمنحها قوة على حساب ضعفى كما كنت افعل .. لله الأمر من قبل ومن بعد

تترائى لى خواطر قديمة كثيرة .. وهى فى نهاية السنة الأولى من عمرها .. وأصيبت بنزلة شعبية .. وحين عدت من العمل تركتها أمها لى
كانت زرقاء .. غائبة .. لاتأكل ولاتشرب .. وقالت لى وقتها .. أنزل بيها لأى مستشفى .. أعمل أى حاجة .. أنا مش عارفة أعمل ايه فاذا كانت هى الطبيبة وقد أعيتها الحيلة .. فماذا أفعل أنا ؟ .. وضعتها برفق على أريكة فى الصالون .. وجدتنى فقط أصلى ركعتين .. كنت فيهما غريبا .. أعاتب ربى .. واستغفره كثيرا .. لم أقل فى يوم أنى لاأريدها .. فلماذا تروح منى ؟
وبعد الركعتين .. طلبت أن نحاول محاولة أخيرة وكنت ارتديت ملابسى .. بعض الماء والسكر
أخذت ملعقتين .. وراحت فى نوم عميق .. لم أشأ أن أوقظها .. ثم أستيقظت .. وحاولنا مرة أخرى .. ورضعت شيئا ضئيلا .. ثم راحت فى غفوة أخرى

ثم بدأت تفيق شيئا فشيئا .. وبدأ خديها يغادران اللون الازرق المخنوق .. الى الاصفر الباهت فاتشاهدنا
وبعد فترة لم أدرى طولها .. عادت مرة أخرى
دائما ما تأكلين قلوبنا عليكى يا لولو .. ومن صغرك .. دار هذا الشريط أمامى وأنا أردد بلا توقف
اللهم أحفظ لى أهلى يارب
اللهم لاتسيئنى فيهم أبدا
يارب اكتنفها بيد رحمتك .. وارحمنا معها
يارب اجعلها ساعة سهلة .. آمين
بعض لحظات الزمن التى تمر بنا وتتجمد .. فلا نملك الا الصبر .. يتخللها هواجس كثيرة كئيبة أنفضها من عقلى أولا بأول ليظل مفعما بالأمل فى الله دائما
وعبثا يحاول غيرى أن أتناول شيئا .. كيف وهى فى عالم آخر ؟
كيف وأنا أرى الدهشة فى عيون لى لى على براءتها دون أن تتكلم وقد رأت جدّها يصاحبها دون أمها ؟
احاول ان اعوض ذلك .. ربما بجرعة مضاعفة مفتعلة .. لكن كل هذا لا يساوى حضنا واحدا من ماما
لازلت أجرى فى الشوارع بين رغبتى فى الوصول بسرعة .. وأملى فى ألا أصل قبل أن ينتهى كل شئ .. وأجدها خرجت بسلام

ثم جاءت المكالمة
هى فى الافاقة دلوقتى .. -
وجدتنى أتمتم .. يارب سلّم
وفى الرابعة والنصف ..
فاقت الحمد لله .. -

ياما انت كريم يارب .. أحمدك وأشكر فضلك .. هنا ضغطت بكل قوتى على البنزين .. وحين وصلت تركت السيارة للساعى يركنها فى اى مكان .. وحملت لى لى على ذراعى وجرى على فوق بالدور الثالث
كنت متأكدا أن آلامها كلها سوف تزول حينما ترى لى لى

أما أنا فقد قبلتها مبتسما فى جبينها وأنا أقول بصوت خافت .. حمد لله عالسلامة
فقد أوحشتنى جدا فى تلك الساعات القليلة .. وكأنها سافرت طويلا .. ووصلت

وقلوبنا معلقة فى الهواء

Saturday, October 18, 2008

... "

آآ .. -
من .. أنت ؟ دعنى أيها الغبى -
لن أدعك حتى تصاحبنى فى رحلة من رحلاتى -
بل اتركنى فقد سئمتك -
ولما ياصديقى العزيز ؟ .. هل حدث لاقدر الله -
شئ أغضبك منى ؟
سريعا مانسيت .. كما هو سريعا ماتصاحب أحدا من ضحاياك -
فى رحلة من رحلاتك
ضحاياى .. تسميهم ضحاياى ؟ سامحك الله .. -
ولكن أحدا منهم لايريد ان يصاحبنى فى هذه الأيام ..
أرأيت أنهم ضحاياك ؟ -
أنهم ليسوا ضحاياى .. أنهم لايفهمون .. رحلة طويلة لاتكلفهم شيئا .. مع انها جميلة .. -
لو كانت جميلة لصاحبوك فيها .. -
... -
مالى آراك لاتتكلم ؟ -
ماذا أقول ؟ -
لاتقل شيئا .. أتركنى وهمى .. -
كيف أتركك ؟ -
إذن فماذا تريد منى ؟ -
أن تصاحبنى فى رحلة من الرحلات .. -
لا أريد .. -
بل تريد .. -
غريب أمرك .. تريدنى أن أصاحبك قسرا وقهرا ؟ -
لأ .. برغبتك .. فلى زمن لم أصاحبك فيه .. -
زمن ؟ متى كان هذا الزمن؟ -
من أسبوع تقريبا .. -
وأين كنت أنا من اسبوع ؟ -
فى المدرسة .. -
فى المدرسة ؟ أنت لم تفارقنى فى المدرسة لحظة واحدة .. -
بل كنت معك يوما واحدا .. -
.. صديقى العزيز .. ألا تحب لى الخير مرة واحدة ؟ -
قد رغبت لك أكثر من مرة .. -
ولكننى أكثر هذه المرات حاجة لبعدك عنى .. -
كيف ؟ -
أنت تعلم انك منذ بدأت تكثر مصاحبتك لى قلت معارفى العامة .. -
وما يمنعك من زيادتها ؟ -
سيادتك .. -
ولماذا ؟ -
كلما بدأت فى قراءة قصة مثلا .. أجدك تزفنى وكأنك خيالى فلا أكمل .. -
مرة .. -
بل أكثر من مرة .. أمس .. وأمس الأول .. إلى أن جئت هنا أول الأجازة .. -
لاقصة ولامسرحية ولافيلم ..
وياطالع الشجرة ؟ -
لم أفهم شيئا منها .. -
ولماذا ؟ -
لأنك كنت تطاردنى كلما اندمجت فيها .. -
أنا أريحك من عذاب الكرة .. واللعب فى الشوارع .. -
الجميل الوحيد الذى تسديه لى .. -
وأنسيك الهموم التى تشعر بها متراكمة وكأنها على رأسك .. -
أراحك الله فى الدنيا والآخرة .. -
والآن .. ألا تصاحبنى ؟ -
لن أفعل حتى أنتهى من هذه القصة .. -
أى قصة ؟ -
حول العالم فى 200 يوم .. -
لثقافتك العامة ؟ -
نعم .. -
سبعمائة صفحة .. ومتى تنوى الانتهاء منها ؟ -
سريعا .. اذا ابتعدت عنى .. -
سريعا ؟ .. عند الفجر اذن ؟ -
وأصاحبك المدة الباقية الى الصباح .. -
المدة الباقية الى الصباح ؟ -
وماذا تطول رحلتك أكثر من ذلك ؟ -
صحيح .. ولكن هذه المرة لاتكفينا للاستعداد لها .. -
وماذا يتطلب هذا الاستعداد؟ -
أن تأتى معى الآن .. لتريح جسمك وتعد عدتك لها -
يا لطول بالك .. ألا يريحنى منك مريح ؟ -
لاعليك .. فاضل .. واعطنى رأيك .. -
فيم اعطيك رايى ؟ -
فى رحلتين .. رحلة لن تنتهى منها الا وقد نسيت أولها .. يعيشها غيرك .. -
ورحلة تعيش انت حوادثها .. فى اى مكان تريد ..
باستنكار وهدوء) أحقا يا صديقى فى أى مكان أريد ؟) -
تقريبا .. على الاقل مكان جميل .. -
تنهيدة عميقة .. ) دعنى الآن حتى أفكر ) -
فى الرحلة؟ -
لا .. فى الفتاة التى تشير الى فى كل صباح باكر .. -
بغير استغراب ) .. التى عن يسارك ؟ ) -
نعم .. -
أريك أجمل منها وألطف .. -
أين ؟ -
فى رحلتى هذه .. -
لايحدث .. -
ألم أصاحبك أمس ؟ -
.. نعم .. ولكنها مرة .. -
وأمس الأول .. -
آممم .. بلى -
لكنك لاتعبأ بما أقول .. و فى كل مرة لاتصدقنى -

وهنا .. خرج صديقى فى بطء وتثاقل الواثق وهو يغادر الحجرة الى الباب الخارجى ..
رحلة جميلة ؟ .. أجمل منها وألطف ؟ .. الى عالم اروع وابهى ؟ .. وقبل ان يتوارى تماما هتفت اليه
صديقى .. انتظر .. انى قادم معك .. -

" ... &&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


كان هذا الحوار من خيالى لشدة تأثرى بالقراءات الكثيرة .. وخصوصا لتوفيق الحكيم حتى اننى وقعت أسفلها .. شريف الحكيم .. وتلك القصص والحوارات لم يكن يحلو لى كتابتها الا اوقات الامتحانات .. واكثرها اندماجا كانت فى معسكر الثانوية العامة الذى فرضته على نفسى لمدة شهر ونصف
أما صديقى هذا .. والذى كان يطاردنى دائما .. ولاتحلو له تلك المطاردة الا حين امسك كتابا و خصوصا لأذاكر .. فهو النوم



فى عز المذاكرة

Sunday, October 12, 2008

جهزت السَبَتْ ؟ -
ايوه .. والقلم الرصاص .. والورقة -
هانستنى لما كل اللى فى البيت يخرجوا .. -
ليه ؟ -
عشان يبقى البيت ساكت خالص .. ونقدر نقفل النور -
هو لازم النور يتقفل ؟ -
طبعا .. لأنها مش هاتحضر والنور والع -
احنا ماتقفناش مين .. نينة ولابابا .. -
بابا طبعا .. عشان هو واحشنى جدا .. -
بس احنا مش هنسأل عنه .. ولاهانسمع صوته -
على الاقل نقرا خطه .. -
كان هذا الحوار بينى وبين ابن عمتى ادهم فى محاولة استحوذت على تفكيرنا وخواطرنا لتحضير الارواح .. نعم فلم يكن يخلو بيت فى بر المحروسة عن هذا الحديث فى تلك الايام

صبيان فى المرحلة الابتدائية ألهب خيالهم مايقص عليهم اقرانهم فى المدرسة .. كما انهم يحفظون الفاتحة والاخلاص والمعوذتين وبعض قصار السور المطلوبة .. علاوة على ان سبت الغسيل والقلم الرصاص والورق كانوا ما أسهل وجودهم فى كل بيت

أنتظرنا حتى غادر الجميع الى زيارة الى أقاربنا فى فم الخليج .. يعنى أمامنا اربع ساعات على الاقل وقد تحججنا بعمل الواجبات وغيرها حتى يدعونا نعمل فى صمت .. أكثر من كافية

وبدأنا .. البيت كله يطبق فى صمت مريب .. امتنعنا حتى عن الكلام واصبحنا نتحدث بالاشارة حتى نهيئ الجو الكامل لحضور تلك الروح .. أطفأنا جميع الأنوار .. ثم انتحينا غرفة الجلوس .. وأغلقنا الباب أيضا .. ثم اتينا بلمبة جاز وخفضنا ضوءها الى اقل درجة بحيث نستطيع القراءة بالكاد

بعد ذلك ثبتنا القلم الرصاص فى قاع السبت بحيث يبرز من أسفل بين الخوص .. ورسمنا رأساً على ورقة أخرى على هيئة جمجمة وثبتناها بيد السبت .. ثم قمنا الى طاولة وسط الحجرة .. ووضعنا عليها جانبا لمبة الجاز .. ثم حملنا السبت أنا من جهة .. وهو من الجهة الأخرى .. وبدأنا نقرأ الفاتحة والسور المصاحبة للعمل .. وبعد ان قرأناها نادينا على اسم تلك الروح .. ودعوناها للحضور .. وطلبنا ان تصدقنا القول

كنا نسأل السؤال وننتظر أن تكتب لنا الاجابة .. وكانت اغلبها لأدهم .. لانها روح ابيه
أنا هانجح السنة دى يابابا ؟ -
وشريف كمان هاينجح ؟ -
طب هانروح البيت الجديد ؟ -
امتى ؟ -
وشريف هاييجى معانا ؟ -
طب ليه ؟ -
ماما قالت لى هاتجيب لى ساعة .. هاتجيبهالى ؟ -
وكمان قالت فى الصيف هانروح راس البر -
بابا .. انت وحشتنى قوى .. انا كل ما اناديك هاتيجى .. -
.... -

استمرت الاسئلة على هذا المنوال .. وظل السبت ومعه القلم يتحرك بين ايدينا ويخط على الورق .. بعض الكلمات والاجابات كانت واضحة وأغلب ماخط هيئ الينا انها كذلك .. جاءت تفيد بأن ادهم سوف ينجح هذا العام وسيفوز بالساعة .. وشريف أيضا .. ولكنه لن يذهب معهم الى البيت الجديد .. كما ان راس البر لم يوضح الخط ردا مقروءا .. وفى النهاية لم يكن هناك ردّ على عودته مرة أخرى

وهكذا انتهت الجلسة ولاادرى لماذا كانت وجوهنا شاحبة تكسوها صفرة غريبة .. ربما خوفا من السبت وهو يرتج بين كفوفنا الصغيرة والقلم الذى يخط .. او ربما كان يخط بسبب ايدينا المرتعشة التى لم تكن تستقر على حال

أضأنا النور .. ووجدنا خطوطا غريبة تذكرنى بمسرحية وجهة نظر لمحمد صبحى حيث كانت عبلة كامل تقرأ الخطاب فتقول ب ويمكن ت أو ث برضه

إذ من الممكن ان تقبل الخطوط الموجودة معانى كثيرة .. وأشكالها لاتعلم معها صاد من ضاد و خاء من جيم أو حاء .. وأخيرا كنا نقرأ ما هيئ لنا .. أو ما تمنينا قرأته ورؤيته

فى آخر العام نجح ادهم .. وفاز بالساعة ونجحت أيضا .. وذهبوا الى الاسكندرية .. كما انتقلوا أيضا الى بيتهم الجديد بمصر القديمة .. ولم أذهب معهم .. فقد كنت فى طريقى الى حضن أمى بالصعيد بعد ثلاث سنوات من الغربة عنها لاحصل على الشهادة الابتدائية الفرنسية

أرواح ..

Sunday, October 5, 2008

فى فندق هوليداى ان بسويسرا كان ديدييه يجلس فى حجرتى .. هو على كرسى .. ونحن واقفين أنا وثلاثة من اصدقائى مرابعة من حوله

وديدييه هو الشيف الذى يصنع لنا مالذ وطاب .. ورغم انه سويسرى الا انه كان يطهو لنا بعض المأكولات المصرية والكشرى والبصارة طبقا لاتفاق بينه وبين كابتن تيمور مرشدنا .. لاتسألنى من أين عرفها
أما القصة فهى اننا كنا نجلس بعد العشاء فى مطعم الفندق .. نحن الثلاثة ومعنا صديق ايرلندى وآخر انجليزى

إذن ثلاثة مصريون واثنين خواجات .. يعنى ثلاثة فراعنة .. واثنين من غزاة الشمال .. وطبيعى ان يتطرق الحديث الى النيل والتماسيح التى لم نرها عمرنا فى غير حديقة الحيوان والجمال التى يركنها صاحبها كما المرسيدس بجوار بيته .. وطبيعى ان يصل الموضوع الى معبد الكرنك والاهرام وطريقة بنائها

فأما طريقة بناء الاهرام .. والابحاث التى دارت حولها فهى كلها مقترحات من وحى خيال العلماء .. لادليل قاطع على حدوثها
وهنا تذكرت حديث لانيس منصور عن هذا الموضوع يذكر فيه ان هناك بعض الالعاب يلعبها ابناء وادى النيل .. يستطيعون بها ان يرفعوا حملا ثقيلا بجهد قليل

!! .. الا اننى تذكرت اننا كنا نقوم بمثل هذه الالعاب ونحن فى الكلية .. ومن بينها لعبة الميت مات
وتقوم هذه اللعبة على اختيار واحد منا .. كنا نفترش له صفا من الدكك فى حصص المذاكرة بحيث ينام عليها مستويا تماما
ثم يلتف من حوله سبعة اشخاص .. واحد عند رأسه .. والثانى عند كتفه ويقابله واحد من الجهة الاخرى .. وواحد عند ركبته ويقابله واحد من الجهة الاخرى .. واخيرا واحد عند كعبه وكذلك السابع من الجهة الاخرى
ثم يشير من يقف عند الراس الى الكل فيبدؤون فى تلاوة النشيد معا
.. الميت مات
.. فى الغيط بات
.. سبعة منا
(وسبعة منكم .. ( اللهم احفظنا
.. يشيلوا الميت
.. اللى مات
ثم مجتمعين يضع كل واحد منهم اصبعين تحت الراقد عند الموضع الواقف عنده .. ثم يرفعونه هيلا بيلا الى أعلى

كان كل من نلعب معه هذا الحيلة يشعر وكأنه خفيف يطير فى الهواء مثل الريشة .. و كأن لاوزن له
تلك اللعبة كنا نحكيها لاصدقائنا الفايكينجز وهم ينظرون الينا فى ذهول ممزوج بالسخرية مما نقول

لكننا قصصنا عليهم لعبة أخرى
مؤداها ان يرفع اربعة اشخاص شخصا لما فوق رؤوسهم باصابعهم .. وهذه ابسط
يجلس الشخص المعنى على كرسى .. اثنان يقفان ورائه .. واحد خلف كل كتف .. والاثنان الآخران يقفان عند ركبتيه .. ثم يبدأ من يقف خلف كتفه الايمن فيدفع بكفه وذراعه كالسهم فوق رأس الجالس بحيث تستقر كفه فى الهواء فوق رأسه بالضبط دون ان يلمسه.. وكذلك يفعل الثانى فوق كف الأول دون ان يلمسه فى اتجاه عكس عقارب الساعة .. وهكذا الثالث فالرابع .. ثم يبدأ الرابع فيسحب كفه سريعا الى جانبه .. فالثالث والثانى والاول
ثم مجتمعين يشدون نفسا عميق بطيئا ثلاث مرات .. ثم هوب .. يضع الاول والثانى اصبعين تحت الابط .. والثالث والرابع اصبعيت تحت الركبتين .. ويرفعانه عاليا
حكينا هذا فما زادهم الا اندهاشا ولسان حالهم يقول لابد وان نكون مخبولين
.. من هنا عقدنا العزم على لعبها امامهم .. واخترنا لهذا أتخن واحد وكان ديدييه الشيف .. وفى غرفتى كانت اللعبة
ورفعنا هذا الديدييه عاليا الى ان صرخ غير مصدق فأنزلناه

طبقا لحديث انيس منصور فانه كان يقترح امكانية ان يرفع الفراعنة الحجر بمجرد ان يشيرون اليه بالعصا
وفى العصر الحديث يقترحون ان تكون الحجارة قد صبت صبا فى قوالب وهى من طفلة بيضاء ويتركونها حتى تجف .. فتحول الى ذلك الحجر الغريب الذى عاش الآف السنين .. يستدلون على ذلك بالاستقامة الشديدة للفواصل بين الاحجار المتراصة

بعد ان رفعنا ديدييه لأعلى قلنا لهم فى ختام هذا العرض .. اذا كانت هذه الالعاب يلهو بها الصبيان من ابناء النيل فى عصرنا هذا .. فكيف كان يفعل اجدادهم الفراعنة ؟

الميت مات ..

Friday, September 26, 2008

كان الطقس باردا تتجمد معه الأوصال .. وعبثا حاولت ان انفخ فى يداى التماسا لبعض الدفء ..أو ادس بهما تحت أبطى .. فلا تدفأت يداى ولا استعدت نفسى المقطوع

هناك على شاطئ القناة الشرقى .. بالدفرسوار .. أرقب تلك القافلة من السفن وهى تتهادى على سطح الماء من كل الدنيا .. سيل منهمر لاينقطع وكأنها ارض عطشى ماصدقت ان ارتوت بالماء .. او كأن السفن كانت تنتظر سنوات طويلة عند مدخل القناة .. ثم مرت دفعة واحدة عند افتتاحها .. كانت التعليمات ان تستمر السفن فى المرور بلا توقف .. تارة من الشمال الى الجنوب .. وتارة من السويس الى الاسماعيلية

أما أنا .. فبالكاد اوصلتنى عربة جيب الى الشاطئ الشرقى فى اجازة ميدانية .. حيث تنقلنا القوارب المطاط الى الشاطئ الغربى .. ومن هناك تقلنى سيارة أخرى اذا كنت محظوظا الى ابو سلطان .. ثم أستقل تاكسي الى القاهرة .. وعلى القارب المطاطى ان يختلس الفرصة بين أسراب السفن اذا اتسعت المسافة بين اثنتين .. وهكذا يلعب الحظ دورا كبيرا فى عبورك بالعكس من الشرق للغرب

ليس هناك ماتستطيع فعله سوى الانتظار .. ذلك الذى استمر من الثامنة مساءا .. وحتى فجر اليوم التالى
أخيرا جاء الفرج .. ونزلنا القارب .. نحو عشرون من الضباط والجنود .. بعضهم فى اجازة .. والآخر فى شأن آخر
كان الجنود يجدفون بكل همة ليعبروا الفاصل قبل وصول السفينة .. تلك التى كلما اقتربت هيئ الينا ان جبلا يتحرك نحونا .. ليدهسنا جميعا

هى نفس الهمة والقوة التى عبروا فيها بالعكس .. فهم نفس الرجال ..لكنهم يؤدون واجبا آخر .. تأملت ذلك الجندى الصغير .. وكنت اسميه النيوترون .. وأتسائل .. هل كان ذلك الجندى البسيط يدرى وهو يجدف بمجدافه الصغير ليدفع بذلك القارب المطاطى المربع الغريب أنه بهذا العمل سيحقق العبور العظيم ؟ وسيتوحد العرب بسبب نجاحه للمرة الاولى فى العصر الحديث .. وستبدأ صدمات البترول .. لينفتح الستار عن عصر جديد برائحة النفط لتكون له الكلمة العليا .. وتولد الأوبك .. ويستحيل الخليج الى حياة جديدة تضئ النعمة والثراء الفاحش فى جنباتها ..وأوضاع اجتماعية انقلبت فأثرت على كل المنطقة

هل يدرى انه بسببه تغيرت فلسفة النقل عبر البحار الى السفن العملاقة والحاويات ؟ .. هل وهل ؟
هكذا تخيلت ما حدث كالانفجار الذرى الذى لازالت تبعاته وتداعياته ممتدة الى الآن .. ولازالت آثاره تحدد سياسات القوى العظمى وباقى التكتلات الى الآن .. كان نابليون يقول فتش عن المرأة .. ولكننى فى هذا العصرأقول فتش عن البترول .. وستجده الشبح الخفى وراء كل شئ .. دعك من أهازيج الديمقراطية وحقوق الانسان وكافة مشاكل العالم التى لاتعنى العالم الأول .. المصلحة المباشرة هى القاعدة

هذا الانشطار النووى الهائل فى عالم الاقتصاد والاجتماع والتكنولوجيا وغيرها .. يبدأ بنيوترون لايرى .. ينطلق .. فيفجر نواة اليورانيوم .. لتنطلق نيوترونات أخرى .. فتفجر سلسلة من الذرات ويستمر ذلك الانشطار فى سرعة فائقة
لهذا كنت اسمى ذلك الجندى الصغير .. نيوترون

وصلنا الى الشاطئ الغربى مع بزوغ شمس يوم آخر .. فرحت لرؤيتى العربة على الجانب الآخر .. وما أن رآنا السائق حتى بدأ فى ادارتها استعدادا للتحرك
لكنها لاتدور ..!! .. ويبدو انها هى الأخرى تيبست من البرد والصقيع .. رفع الكبود .. وبعد فحص سريع قال فى حسم " الابلاتين لدع " .. معنى ذلك أنه على كل واحد تدبير حاله بمعرفته .. هنا فقط .. ضاعت تلك الابتسامة التى حلمت معها برؤية اولادى هذا الصباح
كان على أن أسير لمسافة طويلة لأخرج من طريق المعاهدة .. الى حيث العربات غير العسكرية فالطريق مخصص للعمليات فقط
أثناعشر كيلومترا .. ليست بالمسافة الطويلة .. ذكرتنى بطوابير الضاحية بالكلية زمان .. ويبدو أن هذه احدى فوائدها .. وهناك وقفت على الطريق .. لأكثر من ساعتين فى انتظار اى دابة تمر من هنا
وبين الحلم والسراب رأيتها تسير على مهل .. تتهادى من بعيد .. عربة لورى رمادية يبدو انها من المجهود الحربى .. واقتربت .. اشرت لها فتوقفت .. كانت عربة زفت لاادرى الى اين هى ذاهبة

سألت السائق وكنت على استعداد لتسليم كل ماجيوبى ان هو انقذنى .. أبو سلطان؟ قال ايوه ياكابتن .. ركبت وكلى حذر من البهدلة المحيقة بى من كل صوب .. فآثار الزفت فى كل مكان .. وبعضه طال المقاعد
وبعد ساعتين كنت فى أبو سلطان .. لمحت تاكسى بالنفر يكاد ينطلق فجريت نحوه وانا اصيح استنى يااسطى .. ونسيت ورائى رجلا آخر يصيح من خلفى .. ياأستاذ .. ياحضرة
"قلت للسائق " دقيقة واحدة ادفع له فلوس

.. وأخيرا قفزت داخل التاكسى .. وصلت القاهرة حوالى الواحدة من بعد الظهر .. والبيت فى الثانية
أخيرا .. صارت الدنيا وردية مرة أخرى باحتضانى اطفالى .. وكان بابا أنيقا كعادته .. معطرا يهتم بشياكته
: الا أن لولو سألتنى

بابا .. ايه الاسود اللى فى البنطلون ده ؟ -


.. ة 18 ساعة للوصول

Friday, September 19, 2008

موعد وصول راضى من سفره فى احدى البلاد العربية جاء بعد الافطار
راضى هو زوج ابنتى الصغرى لولو .. نجح فى اقتناص ايام قليلة من رمضان ليرى زوجته وابنته ويعود فورا .. وأول ما وصل .. كان أول شئ عمله أن فتح حقيبته وأخرج الحلوى والشيكولاتة و الهدايا للاطفال لينا بنت دندن ولى لى ابنته

ومن بين الهدايا الجذابة عربة أطفال لعبة بالبيبى بتاعها .. لونها وردى آخاذ .. هدية إلى لى لى .. ولعبة أخرى هى صيد السمك عبارة عن سنارة بالماكينة وأيضا بالسمك بتاعها الى لينا .. فهى تناسبها لأنها الكبرى .. وكل هذه الهدايا هى من البلاستيك العظيم الذى يأتينا من سور الصين العظيم وبه أغرقت مصرنا الحبيبة بكل شئ من الهدايا حتى سجادة الصلاة والفوانيس

كانت دندن قد اشترت للينا ابنتها عربة اطفال منذ أيام .. وأيضا بالبيبى بتاعها .. وكانت لى لى ذات الربيع ونصف تحاول ان تشاركها فرحتها واللعب معها .. الا ان النرجسية الطفولية وحب الذات استولى عليها فلم تكن تسمح لها .. واذا حاولنا فان النتيجة هى صراخ متصل وغاغة تسمع التائهين .. وحرصا على بعض الهدوء فأننا نعيدها الى لينا مرة اخرى ونكتفى بصياح لى لى الأقل حدة حتى نتفرغ لجلسة السمر


وهكذا كان من النادر ان تسمح لها بهذه المتعة لأكثر من دقيقة أو دقيقتين فى محاولتنا الدؤوبة لتعليم فوائد التعاون وثماره .. مع بعض الزجر الذى كنت قليلا ما اشارك فيه .. لأن لى لى هى الصغرى .. وكما هى تقاليدنا ومفاهيمنا فان على الكبير دائما ان يتفهم .. لأن الثانى هو الاصغر .. والاكبر هو دائما الاوعى الذى يراعى .. حتى لو كان هذا الكبير لايتعدى الاربعة ربيعات

ولفض الاشتباك بينهما .. اقترحت لولو على راضى ان يشترى عربة أصغر لـ لى لى فيصبح لكل واحد عربته ويادار مادخلك شرّ .. ولكن حين فضت اللفافة الفضية وظهرت العربة الجديدة .. التمعت عينا لينا .. وزاد بريقها ونظرها لايفارق العربة الوردية .. فللجديد رونقه وبهجته

لكن لولو قالت طبعا لينا تلعب بيها .. مش كانت بتدى عربتها لـ لى لى تلعب بيها ؟
وبدا ذلك الحل توائما سلميا مناسبا على نفس الدرب الذى يعبر عن جمال التعاون وفوائده التى لاتنتهى ..والتى ليس اقلها ان كل واحد هايكون عنده لعب كتير لانه يلعب بحاجته وحاجة غيره

وبدأت لولو بالفعل تعطى العربة الجديدة للينا .. الا ان لينا بدت حذرة وهى تلمسها .. تدفع العربة الجديدة رويدا وهى متشككة فى هذا العرض .. ثم ذهبت وأتت بعربتها وكأنها تعلن .. أنا أيضا لدى واحدة .. وهى أكبر على أى حال

ماذا حدث ؟ هل تذكرَت انها لم تكن تسمح بهذا ؟ هل هو شعور بالخجل الداخلى أو التأنيب لما كان ؟ هذا ماتخيلته

الا انه ودون مقدمات انبرت لينا فصارت تعدد اللعب الذى اشتراها لها بابا أيضا .. هذا غير الذى فى البيت .. وايضا فى بيتهم فى تلك البلاد .. فهو ايضا مسافر .. ولايمكنه الحضور فى رمضان
وكمان بابا لما هاييجى هايجيب شيكولاتة كتير .. وهايجيب لـ لى لى كمان زى راضى
الجيل الجديد لايعترف بعمو واونكل .. واحيانا حتى لايعترف ببابا وماما .. فهم يتعاملون بالاسماء مباشرة .. لانه اكثر تحضرا من آباءه
اذن هذه لى لى ومعها لعبها .. وهذه أيضا لينا ومعها لعبها.. وقد بدأت الثلوج بينهما تذوب شيئا فشيئا

لكن هناك شئ ما فى الأفق .. حوّل عواطفى فى هذه اللحظات الى لينا .. وعندما لم تعاملها لى لى برفق وجدتنى لاشعوريا لست فى صفها .. بل كشرت لها .. مع انها الاصغر وكل الحجج الذى ذكرتها سابقا تقول ان المفروض اكون فى صفها
وتعجبت من هذا الترمومتر العاطفى العجيب الذى كان منذ ايام فلى صف لى لى .. لماذا ؟ .. وكيف تغير هكذا ببساطة ؟

كان هناك عنصر هام ناقص فى المعادلة .. هو الذى جعل الكفة تميل تجاه لينا .. هذا العنصر هو أنها تفتقد أباها الغائب فى تلك اللحظات .. وتستجلب من ذكرياتها معه بعض القوة التى لاتجدها الآن
احتضنتها بكل قوة وحنان وكأننى أقول لها أنا موجود حبيبتى الى حين قدوم بابا بالسلامة .. ربنا مايحرم طفل من ابيه
.. أعرف أن ميزاننا العاطفى يذهب الى الاضعف دائما .. ولايميل ابدا للأقوى
!! .. حتى لو كان معه الحق
شئ غريب .. لمجرد احساسنا بأنه قادر .. لانذهب اليه .. واحيانا لانسأل انفسنا لماذا .. هو كده وخلاص .. فى الرياضة .. فى العلاقات الاجتماعية .. فى رؤيانا السياسية وهكذا

تعجبت أيضا من الأدوار التى يحددها الله بعناية للأب والأم .. ورغم اننى عشت امارس ابوتى بعفوية وتلقائية .. الا ان هذا الموقف أحسسنى باهمية ودقة هذا الدور وانا أراقبه من الخارج .. وتذكرت قول أحد اساتذتى قديما .. أن الأم خارج البيت تقف فى الصف مع اولادها .. فيتسلم الاب العلم .. يقود السيارة ويسافر بهم .. ويختار لهم السكن ويحل مشكلاتهم فى المدارس وغيرها ويستخرج جميع الاوراق والوثائق لهم ولأمهم وهو على استعداد دائم لمحاربة العالم من اجلهم

أما فى البيت .. فان الاب يقف فى الصف مع اولاده .. وتتسلم الام القيادة.. فهى المسئولة عن طعامه وراحته ونظافته واناقته وأمانه النفسى .. تماما مثل اولاده ..

الحقيقة .. اعجبنى هذا التقسيم ..


بابا مهم برضه
..

Monday, September 15, 2008

عند اول نفق الشهيد أحمد حمدى .. من الشاطئ الشرقى .. وفى بدايات افتتاحه
كان تحت التجربة فى أول استخدامه يعمل فى اتجاه واحد .. أما الثانى فكان مخصصا لمرور عربات الاسعاف والاطفاء فى حالات الطوارئ
صف طويل من السيارات ينتظر دوره فى المرور .. ولابد من التفتيش للتأكد من سلامة السيارة .. الاطار الاحتياطى وملف العجل وقبل كل شئ طفاية الحريق

كنت بالسيارة الجيب والافرول الزيتى الذى يوضح اننى ضابط .. وبدا الطابور لاينتهى .. وهناك الأمناء من مرور سيناء يتولون هذا التفتيش .. كانت أيضا بدايات التطبيع بعد معاهدة السلام .. وكثير من هذه السيارات تأتى من تل أبيب فى رحلة سياحية للشباب وغيرهم يجوبون فيها سيناء .. ثم يعبرون النفق متوجهين الى القاهرة .. فيقضون بها أياما ويعودون

المشهد فى الشرق قبل تعمير سيناء هو صحراء مترامية .. ومدن .. وباستثناء القنطرة والعريش وابو رديس فهى ليست اكثر من أسماء تعرفها من لافتة ضالة علقها احدهم ليميز مقهى او مزرعة أو احد المبانى الحكومية المتناثرة فى الصحراء .. والتى تلونت فيها اشكال الناس بلون الصحراء الاصفر الذى تجف لرؤيته الحلوق .. ومع الوقت تجف أيضا النفوس والعقول إذن كل شئ بكر .. من الصعب ان تجد معه خدمة او غيرها .. والمأساة كل المأساة اذا تعطلت عربتك هناك .. لذلك تجد من يسير على الطريق ينهب الارض نهبا وكأنه يضمن من قوة الاندفاع وصولها بسلام حتى لو تعطل المحرك

أخيرا جاء الدور على .. كانت تتقدمنى سيارة لشاب وفتاة من تل أبيب .. هانت .. وبدأ التفتيش .. ولكننى لاحظت ان الوقت طال ولايزال هناك حديث مستمر بين جندى المرورالمصرى وهذا الشاب .. بينما وقفت الفتاة ساكنة لاتتكلم
نزلت استعلم ما الأمر ..
هو فى ايه ؟ .. -
يافندم العربية مافيهاش طفاية حريق .. -
طب ماتقول له .. -
باحاول اقوله مش فاهم .. بشاور له على اللى زيها .. مش فاهم برضه .. -
وجدتنى اقترب من الشاب فى هدوء .. وربما فهمت ان المشكلة هى اللغة .. فكلمة طفاية حريق هى من
Fire Extinguisher اسخف الكلمات فى اللغة الانجليزية
وفى لهجة فيها كياسة لاتخلو من صرامة فى نفس الوقت قلت له
هالو .. -
هالو .. -
(ارجو لكما رحلة ممتعة فى القاهرة .. (ابتسم قليلا وقال -
ولكن يبدو ان لدينا مشكلة هنا -
فى الحقيقة نعم .. فانت لايمكنك المرور بدون طفاية حريق .. تلك هى تعليمات الأمن والسلامة .. -
ولكننى جئت من هناك بدون طفاية .. -
هذا ما اتعجب له .. هلى يمكنك السير فى شوارع تل ابيب بدون طفاية .. -
لقد نسيتها .. -
انت محظوظ ان لم يوقفك احد فى الطريق لتفتيش الأمن والسلامة .. منذ خرجت من هناك .. -
هذا بالفعل ماحدث -
من المدهش ان رخصة قيادتك لازالت معك .. من المفروض أن تسحب منك هنا أيضا .. -
لا من فضلك .. انا اريد ان احل هذه المشكلة لاأزيدها تعقيدا .. -
أنا معى الاطار الاحتياطى والعدة وكل شئ حتى جراكن الماء والوقود
ولكن عند المرور فى الانفاق فالامر يختلف .. وطفاية الحريق اساسية .. -
والعمل ؟ -
ليس هناك غير حل واحد .. -
وماهو؟ -
البحث عن طفاية حريق فى احدى الورش بالمنطقة .. -
أين ؟ -
لو اتجهت قليلا الى الجنوب .. ليست بعيدة .. -
اليس هناك حل آخر ؟ -
اخشى انه ليس امامك سوى هذا .. -
أشكرك -
على الرحب -
ثم تركنى وادار سيارته ليتجه جنوبا .. ولكن جنوبا الى أين ؟ لاأدرى .. فانا لم اصادف طول طريقى شيئا ذا بال ينم عن حياة حقيقية فى
المنطقة .. فهكذا أهملنا سيناء لفترة طويلة جدا .. والطرق الرئيسية هى التى انشأها الانجليز قديما .. ثم معسكرات متناثرة

المهم انه لم يمر .. والاصرار على النظام المحكم الذى يطبق على الجميع بمنتهى الصرامة كان هو الذى يهتف بداخلى ..
هل هذا حقيقى ؟ .. أم اننى فى الواقع اردت تعقيد الأمر .. لاتسهيله .. وبشكل قانونى ؟ يبدو أن الأمر كذلك
لماذا ؟ لاادرى
فليس بجرّة قلم تذوب كراهية متبادلة دامت عشرات السنين .. تربينا عليها .. وكنا نرتوى من نهرها طول عمرنا
وليس بجرة قلم يصبح من كنت أطلق عليه الرصاص بالأمس صديق اليوم
وليس بجرة قلم آخذه بالاحضان ودم أخوتى الشهداء لا يزال عالقا بذاكرتى .. صحيح اننى انتصرت اليوم .. لكن سنوات الكراهية تحتاج لسنوات أطول لتتحول الى الحب .. وربما تحتاج قبلها الى سنوات من الشكّ .. لايعلم عددها الا الله

!! .. المهم انه لم يمرّ .. ثم جاء دورى أنا ومررت بسلام .. إلا أن سيارتى ليست بها طفاية حريق ..


أسف .. لااستطيع

Tuesday, September 9, 2008

فى أعماق الصعيد .. اسيوط .. "
ينزل تاجر غريب عن البلد .. معه بعض البضائع والاقمشة .. ويجالس الجميع على قهوة بلدى يدخن الجوزة ويشرب الشاى المرّ .. والفائق الحلاوة على مرارته .. هو من بحرى .. هكذا قدّم نفسه .. يجوب مدن قبلى و معه عينات كثيرة تلائم كل الاعمار والاذواق .. الحريمى قبل الرجالى .. والاولادى أيضا

استضافه العمدة فى استراحته لمدة يومين .. وعرّفه على أعيان القرية وبعض المعروفين من الشخصيات فى مجلسهم الذى يبدأ عادة بعد العصر .. ولايمتد كثيرا لما بعد العشاء .. فالقرية لاتملك ترف الانارة لما بعد صلاة المغرب بكثير

لكن القليل جدا من الاماكن كان يمكنها ذلك .. دوّار العمدة .. والقهوة .. وبعض المتميزين كشيخ الخفر ونظار الزراعة لدى الاعيان .. وحين يهمّ اليوم بالانتهاء يجلس الجميع .. ولايسرّى عنهم سوى الحكاوى والروايات.. وما يحكونه يعيدونه مرارا وتكرارا فلا هم ينوّعون أو يجددون فى سردها ولا يملّون .. وهى فى معظمها من وحى الخيال الذى يلفه صمت الليل الطويل فلا يقطعه الا صوت الذئاب والثعالب تعوى من بعيد فيلتصق الاطفال بامهاتهم .. او طلق نارى يدوى هنا أو هناك .. يطلقه الخفر من حين لآخر معلنين عن يقظتهم وحضورهم .. أو يطلقه آثم يغتال انتقاما .. وربما ثأرا .. ضاع فيه الكثيرون .. ومن بينهم عبد العال

عبد العال اختفى منذ يومين .. ويقال أن عطية قتله .. خلاف على من يروى ارضه اولا .. نعم الى هذا الحدّ يمكن ان يصل الغلّ فى صدر الانسان .. كان اذا فوجئ احدهما بالماء يذهب الى جاره .. سارع بتحويله الى ارضه

انتصار؟ ربما .. وهكذا يظل أهل الكفر يتندرون بما فعل حتى يجئ يوم فينتصر الآخر .. نوع من البطولات يصلح حكاية قصيرة تتنزع الآهات من الصدور فى مجالس الرجال .. والتأويز والسخرية فى مجالس النساء

الارض هناك لها معنى ووزن هو ابعد مما يتخيل أهل المدينة .. شئ متغلغل فى وجدان اهل الريف ربما اكثر قيمة من الولد .. فرعايتها هى بكل ما يؤتى من جهد .. وفداها هو بالروح .. كأنها الوجود .. ان ذهبت .. اصبح لامعنى للبقاء بعدها

وبسببها .. ضاع عبد العال .. اختفى .. ولاأثر له .. ولادليل .. رغم أن كل الشواهد تشير الى عطية
وفى احد المجالس .. تعرف تاجرنا على عطية .. فعرض عليه ماعنده .. ومن بينه كل ما يشد النساء والبنات من المناديل ابو ترتر للجلباب الساتان أبو شغل على صدره الى القميص الشفتشى
ماتتفضل تتعشى عندنا -
والله ياعطية عندى ميعاد مع الحاج عرفان -
حلفتك ياشيخ مانت جاى .. ده لو جماعتنا شافت الحاجات دى .. يمكن اشترى البيعة كلتها -
مانا قلت لك .. -
والنبى ماتكسر بخاطرى .. حلفتك بالغالى -
بس مش هاقعد كتير -
بخاطرك برضه .. -

ذهبا سويا .. يحمل شيلته الى حيث بيت عطية هناك فى اطراف البلد .. وبعد الإذن والدستور .. دخلا الى صحن الدار .. وجلسا على الأرض

وبدأ تاجرنا .. فسمى بالله وفتح اللفة الكبيرة .. وبدأ فى عرض ماعنده .. بادئا بالأكثر إثارة .. قميص نوم شفاف أحمر ذو افريز اسود رفيع .. فهذا ما يشعل حرارة الرجال .. وتبدو معه كل حواء فى قمة انوثتها

تلى ذلك المناديل .. والغوايش والحلقان .. وطواقى الصبيان وسراويلهم .. وبكل حنكة بائع محترف .. كان يخرج القطعة تلو الاخرى بعد ان تستنفذ الواحدة كل الخبط على الصدور والآهات الممكنة وقد التف افراد العائلة من حوله

لاحظ تاجرنا ان هناك آثار دخان تخرج من الفرن لشئ تم شيّه حديثا فسأل
شامم ريحة لحمة ياعطية ؟ -
ايوه .. ايوه امال ماحنا هانتعشى منه .. حدانا خبر سعيد .. اختى جابت ولد امبارح .. واحنا شوينا .. -

لم تكن الرائحة عادية .. فلا هى بالضأن .. ولا النيفة .. هناك أيضا باحد الاركان صف من الارغفة فوق بعضها .. لكن عددها كان مثيرا للانتباه .. شئ فوق العشرة .. والعادة ان الفلاحين يخبزون ولايشترون الخبز الا فيما ندر
ايه ده يا عطية .. انتوا ماتخبزوش ؟ -
أصل الدقيق خلص .. قلت اشترى عيش وانا راجع .. -
!! .. وبحركة عفوية كمن يعد تلك الارغفة مندهشا من عددها رفع تاجرنا الخبز .. ليجد فرفرا تحته
تلك اذن أداة الجريمة .. المسدس ..
ايه ده ياعطية ؟ -
ده .. ده الفرفر بتاعى .. -
انت عندك فرفر ؟ .. ومترخص ده ؟ -
ايوه طبعا .. -
جلس مرة اخرى .. ثم والكل مشغول بتقليب القماش .. مدّ يده الى داخل الفرن .. ولدهشته أخرج كفا آدمية
!!.. محروقة .. لكن سلاميات اصابعها كانت واضحة
تلبد الجو وتجمّد الجميع .. وتغيرت تقاسيم وجه عطية وزوجته متحفزين .. وصعق الاولاد من المنظر وانزوى كل فى ركن من الصدمة
ماتتحركش ياعطية .. لو اتحركت هاطخك زى مانت .. يبقى ده عبد العال بقى .. مش كده ؟ -
لا لا .. عبد العال مين ؟ -
انت عارف عبد العال مين .. -
فى نفس اللحظة .. كان خفيران بالخارج .. عندما علا صوت التاجر .. دخلا على الفور .. وقيدا عطية .. واقتاداه الى النقطة تمهيدا لترحيله غدا الى المركز لعرضه على النيابة بتهمة القتل عمدا مع سبق الاصرار والترصد ..
" فهكذا اجتمعت اركان الجريمة الثلاث.. الجثة .. والأداة .. والقصد الجنائى

من قصص والدى ضابط المباحث

Wednesday, September 3, 2008

فى مركز جميل قد لايعلم مكانه الكثيرون .. قررت دندن اقامة عيد ميلاد ابنتها
هكذا وسط الحدائق .. فى الهواء الطلق .. ودعت معظم الأقارب من العائلة والاصدقاء من
DJ ذوى الأطفال طبعا .. بالإضافة الى
ومجموعة مصاحبة تقوم بدور ميكى ماوس وبندق وبطوط ودبدوب بملابسها الأخّاذة لإحياء الحفل

هذا الى جانب الزينات المعلقة والبالونات ومعها المفرقعات اللازمة وكل ما يخرج صوتا جميلا .. أو زيطة لتعليم الأطفال فنا جديدا هو النشاز

بديع وجميل .. ومبتكر أيضا .. فشرط الحفلة ان تكون تنكرية .. فمن الاطفال من ارتدى فراشة والآخر ثعلبا وبعضهم زاد على ذلك فارتدى قرصانا وملابس ثقيلة وتقلد سيفا .. قَمال ينطلقون فى كل اتجاه ويملأون المكان بهجة وحيوية .. كما انه اقتصادى جدا لاتدفع فيه مبلغا كبيرا .. وبالتأكيد أفضل من ماكدونالد أو بيتزاهت الذى تدفع فيه كثيرا وتحصل قليلا علاوة على ضيق المكان

كما انك وحدك مع ضيوفك وسط الحدائق فلا تزعج من حولك ممن لايناسبهم الضجيج العالى .. والأطفال فى مكان آمن مفتوح ينطلقون بحرية ويطارد بعضهم بعضا بالمسدسات والحرب ايطاليا والزمامير وبخاخات البلاستيك

ومع تلك الملابس التنكرية بين بطة ووزة .. تكاد وجناتهم تبك حمرة فتزيدهم جمالا وحيوية .. ماكياج ربانى يزيدهم روعة وجاذبية .. ليس بسبب الرعاية الفائقة لهم .. ولكن لأننا فى عزّ يوليو .. والاحتفال يبدأ فى الخامسة ليناسب الاطفال فى جميع الاعمار

لااجدنى محتاجا لوصف مجموعة من الناس تشرّ عرقا فى هذا الحرّ الشديد .. ولاالماكياج السائح الذى لاسبيل لاصلاحه فى الهواء الطلق .. وحيث كان الجميع مندمجا فى اللقاء الجميل .. كنا نختلس دقائق معدودة الى قاعة السينما المصاحبة .. لا للدخول .. وانما قال يعنى نحن نتفقد هذا المكان المدهش لنتعرف عليه .. ونستطلع آخر عروض أفلام الكارتون وأسعار الدخول ومواعيد الحفلات
وفى الحقيقة أننا كنا نتخفف من الاحساس بالحرّ فى هذا المكان حيث التكييف والنسيم العليل لنعود مرة أخرى الى الجمع الكبير

وهكذا حتى بدأت الشمس فى الانكسار .. وبدا الجو فى الاعتدال .. وبدخول المغرب .. كان الطقس رائعا وحين أكتمل الضيوف بدأ الاحتفال .. وال دى جى وأغانى الأطفال المختارة بعناية .. وكل مامى تشجع ابنها أو أبنتها المرتجفة التى تقدم خطوة وتعود اثنتين على مصافحة ومداعبة ميكى ماوس العملاق .. أو ركوب الحصان العروسة

وشيئا فشيئا تعود الأطفال على تلك الشخصيات الجميلة فصنعوا دوائر تتمايل مع الأنغام بين ضحك وصراخ .. الأول للشجعان .. والثانى للخيفان .. والحقيقة أن هؤلاء الشخصيات الخمسة أسعدوا الأطفال كثيرا .. وأدوا عملا بمنتهى الجدية والاخلاص .. ولم يكلّوا من محاولة شدّ كل الأطفال الى الحلقة .. ونجحوا فى ذلك
الإيجار لمدة ساعة .. أمتدت الى ساعة ونصف .. يأتون بعربة ميكروباس فيها ال دى جى والسماعات والملابس التى يبدلونها فيظهرون بشخصيات مختلفة

كل هذا فى حرّ يوليو .. والملابس ثقيلة مع الرقص المتواصل وليست هناك سوى فتحة صغيرة لالتقاط الانفاس إذن .. ساعة ونصف بمائتين جنيه .. وهم خمسة أفراد .. يعنى كل فرد يخصه اربعون جنيها وهم يؤدون حفلتين فقط فى اليوم .. يعنى بحسبة بسيطة يحصل كل واحد على الفين جنيه شهريا اذا استثنينا الراحات الاسبوعية

سألت نفسى سؤالا ألحّ علىّ
ماهى القدرات والكفاءات المطلوبة لعمل كهذا ؟ شباب فى العشرينات .. معظمهم طلبة فى الجامعات أو حديثو التخرج
أن يحفظ بعض أغانى الأطفال .. ؟
أن يدرس بعض شخصيات ديزنى من خلال مشاهدة الكارتون أو قراءة مجلة ميكى ؟ كلنا يفعل ذلك
أن يداعب الأطفال وهم أجمل مخلوقات الله ويضحكون على أى شئ ؟ أم ماذا ؟

وتذكرت شابا جامعيا كان يأتى إلينا بعربة ربع نقل مجهزة لبيع الكشرى .. كان يستيقظ من الفجر .. ويعد هو وزوجته الأرز والعدس والتقلية والصلصة والعلب البلاستيك النظيفة والملاعق ومناديل الورق .. ويختار مكانه بعناية وسط أربعة مصانع كبيرة بالعاشر من رمضان .. بعيدا عن أى مصدر آخر للطعام


كانت وجبتنا الرئيسية منه .. وتقريبا كل المصنع والمصانع المجاورة كانت تأكل منه .. بل لااتعدى القول انه كان أجمل كشرى ممكن تاكله فى العاشر .. صنعة وطعم .. الآن صار لديه محل مشهور بالمدينة

وبينما جال هذا التساؤل بخاطرى .. حاولت أن أجد عذراً مقبولا لباقى الشباب الذين يعانون من البطالة
فلم أجد


هلا سعيت ؟

Thursday, August 28, 2008

الاولاد .. يضعون الباروكات اليبضاء مثل لافوازييه بالضبط ..أو القضاة فى الزمن القديم .. والبنات يرتدين الفساتين الطويلة والقبعات التى لاتراها إلا فى البرارى .. ربما يرقصون فى الشوارع .. بلا اتفاق مسبق .. لكنهم حريصون على تقليد فنانى القرن الثامن عشر .. وفى يد كل منهم كونترباس او كمان .. أو لوحة فى برواز أنيق .. ويسيرون فى الشوارع بتلك الأثقال بكل فخر واعتزاز

هذه هى فيننا .. التى كنا على موعد معها لمدة 24 ساعة ترانزيت أنا وزملائى فى طريقنا الى أمريكا لاستكمال ماجستير إدارة الأعمال .. شباب جميل يشرح القلب .. يبيعون تذاكر الأوبرا على الأرصفة .. وبأى عملات .. وتذهب اليها راكباً عربة يجرها خيل أبيض كالسحاب فى سماء صافية لشتاء خرجت عليه الشمس .. فسرى الدفء فى أوصاله ..

الأوبرا نفسها .. آية فى الفن المعمارى القديم .. والمكان تكاد تتنسم معه رائحة شتراوس وهايدن وموتسارت وبيتهوفن .. غير أن الاوركسترا بالداخل كان هو المذهل حقا .. فهولاء يجيدون العزف على أى شئ .. نعم أى شئ
فقد سمعنا عزفا على انابيب الغاب الطبيعى .. والقطع المعدنية .. حتى المطرقة والسندان .. صدق أو لاتصدق .. كانت فقرة يطارد فيها حداد لصاً .. وهكذا جاء الريتم على المطرقة والسندان .. بايقاع سريع ممتع يصاحب القصة الطريفة

فى منتصف الليل .. سكون ترتعد له المفاصل وتصتك الاسنان .. وتعزف فيه الركب لعبة المطرقة والسندان .. وحمداً لله أن وجدنا آخر حافلة الى فندق سوفوتيل .. فقد كنا ستة بينهما فتاتان مما لايمكن معه أن تستقل تاكسياً الى هناك

فى صبيحة اليوم التالى كانت حنان قد حجزت لنا نزهة طويلة تبدأ بالتعرف على معالم فيننا .. وتنتهى بجلسة على ضفاف الدانوب لتناول الغذاء

!! .. إذن هذا هو الدانوب الذى تاه فيه شتراوس عشقاً
أضاءت فى خاطرى لوحتان .. الأولى لنيلنا العظيم .. والآخرى للدانوب .. الأولى أنشد فيه عبد الوهاب النهر الخالد .. وقال فيها محمود حسن اسماعيل

سمعت في شطك الجميل ماقالت الريح للنخيل
يسبح الطير ام يغني ويشرح الحب للخميل

والثانية خرج من عباءة سحرها الدانوب الأزرق ليوهان شتراوس .. منارتان للفن تتبارزان فى نفسى .. نفسى التى امتزج بداخلها بخور الشرق وغموضه ورائحة العود والحوريات من الجن والإنس .. بالغابات الرمادية والصخور السوداء والخضرة التى تغشى اللوحة كلها والماء ينحدر فى هذا الجدول .. أو هذا النهر

تظلا تعتملان فى نفسى .. تتحاوران وتلفان فى دائرة متقاربتين .. تتحين أحداهما هفوة للأخرى .. ولكن فى النهاية تفوز الأولى
هل لأنها أروع ؟ كلا فالثانية رائعة أيضا

اذن لماذا ..؟
ربما كان ذلك لأن الأولى تتغلغل فى كيانى واحساسى فتملاؤه رغم عشقى للثانية
ورغم الانتصار .. تعود الثانية لتنازل بثوب جديد .. وتستمر حيرتى

لكن الحقيقة هى أن نيلنا هو أجمل وأنقى وأكبر .. يبدو الثانى أشبه بترعة الاسماعيلية حيث الماء بنى المسحة من أثر الطمى به .. وربما كان نيلنا أقل طينة فبدا أكثر نقاءا .. هذا ما أحسسته للمرة الأولى التى رأيت فيه الدانوب

فى وسط الرحلة كنا فى بلازا بوسط البلد .. مكان قديم تجد فيه حصنا أو قلعة على اليسار .. وكنيسة على اليمين لازالت دارا للعبادة ولم تتحول بعد الى متحف أوأثر .. وعلى الجانبين وفى الازقة هناك حوانيت صغيرة متناثرة تبيع الهدايا والتذكارات .. ومقاهى كثيرة تشرب فيها كل ما شئت .. من عصير الفواكه الطازج الى البيرة والنبيذ .. وحيثما سرت .. تجد آثار ذلك على الأرض

وحان موعد صلاة الظهر .. واذا كان من السهل أن تتوضأ فى الحمام .. فأين تصلى ؟ غير أنه من المستحيل تقريبا أن تجد مكانا مناسبا للصلاة جلوساً .. بالإضافة الى أن الجو العام من حولك معبأ بالكحول .. فى الهواء وعلى الأرض

وجدت قدماى تسوقانى من سكات الى الكنيسة .. فأضعف الإيمان أنها نظيفة .. وساكنة وأساس العبادة الاطمئنان النفسى
دخلت .. كل فى حال .. لايهتم
وفى ركن هناك انتحيت جانباً .. وجلست على أحد المقاعد البعيدة
وصليت

أليست كلها بيوت الله ؟

Tuesday, August 19, 2008

هو طابور اللياقة الساعة كام؟ -
ستة بالضبط -
ياه .. فاضل ساعة الاربع بس .. -
يعنى تلحق تعمل السنتر لاين بتاع اللوحة الخامسة ..
انت مشروعك كام لوحة؟ ..
سبع لوحات .. -
خلاص هانت .. -
مش هايعفونا من طوابير اللياقة دى ؟ -
انت بتحلم .. مش فاكر كلام المدير .. -
عمى فى عينكم Physical Fitness
آه .. أهم حاجة اللياقة ..0 -

كان ذلك الساعة الخامسة والربع صباحا بصالة الرسم .. والتى نمضى فيها الليل وقوفا لنرسم لوحات المشروع .. اللوحة الرئيسية .. واللوحات الملحقة بها
النظام عندنا ليس جماعياً .. بمعنى أن كل طالب له مشروع خاص به .. أما مسألة الوقوف فليست لقلة الكراسى لاسمح الله وانما لأنك لو جلست فلن تطول اصابعك آخر اللوحة .. هذا غير الأوضاع الغريبة التى يتخذها جسمك .. مرة منحنى .. وأخرى مع التواء بسيط الى اليسار .. وثالثة وانت تشب على أطراف أصابعك وهكذا
كل هذا مع كتم النفس لأطول فترة ممكنة حتى لايرتعش القلم بين أصابعك .. فاذا أردت التنفس .. عليك برفع القلم .. وأخذ نفس عميق واخراجه .. ثم العودة مرة أخرى الى آخر وضع اتخذته

واذا تأملت الوجوه فتلك قصة أخرى .. ترى شفاها ممطوطة على يسارك .. وقد تجمدت على ذلك الوضع .. وترى وجها متجهما عن يمينك من شدة الاحساس بالظلم والعذاب وقوفا .. أما أحسنهم حالا فهو من استخلص دقائق يرسم فيها جالسا على الكرسى

والسهرة عادة تبدأ بعد العشاء .. لأن الرسم يستغرق وقتا طويلا .. يمتد الى الصباح فى أحيان كثيرة
فى أول الليل يبدأ الكل بمنتهى النشاط والحيوية .. فتبدأ حالة انسجام واحد .. وهى حالة يبدأ كل واحد فيها فى الغناء منسجما مع مايعمل بصوت منخفض
بعد ساعتين تبدأ حالة انسجام اتنين .. وهذه حين يتحول الغناء الخفيض الى أنين على نحو ما
وبعد أربع ساعات .. تبدأ حالة انسجام تلاتة .. حين يبدو الجميع كالجالسين فى غرزة بلدى .. فتنتابهم نوبة ضحك .. بسبب أو بدون .. كمن يسرّى عن نفسه
وآخر مرحلة .. حين يبدأ كل واحد فى اصلاح كل أخطاء الرسم بالموسى والاستيكة .. فتسمع من يقول " كشط كحت .. فوق تحت" تناغما واستعدادا لطابور اللياقة الذى يأتى بعد قليل
كان ذلك فى فترة المشروع بالكلية .. نهاية السنة الرابعة .. وهى أقسى سنة مرت علينا من سنوات الكلية كلها

لماذا ؟
وحتى يتضح لماذا يكفى فقط أن تعرف كيف كان البرنامج اليومى
الاستيقاظ فى الساعة الخامسة صباحا .. نوبة صحيان .. تقوم فتغسل وجهك وترتدى ملابس الرياضة وتنطلق الى الملعب الكبير هذه لجميع طلبة الكلية عدا سنة خامسة لأنهم بهوات أصبحوا ضباطا تقريبا .. نحن فى صالات المشاريع بملابس الرياضة من أول الليل .. لأن الصالات بعيدة عن اماكن النوم وهكذا نقضى الليل فى الرسم فاذا أذن الديك ننطلق مباشرة الى الملعب ونحن جاهزون

طابور اللياقة يبدأ فى السادسة .. جرى حول الملعب اربعة عشرة مرة .. ثم تمارين القفز فى الهواء والضغط والقرفصاء وغيرها كل واحد ثلاثين مرة
ثم نعود للعنابر .. دش ساخن حتى فى الصيف .. نرتدى الأفرولات .. السابعة طابور الافطار .. عدس وحلاوة وشاى ولبن (حتى الأكل يتميز باللون الكاكى) .. الساعة الثامنة طابور ضباط نتوجه بعده الى المحاضرات والسكاشن
ينتهى اليوم الدراسى فى الثانية .. حيث الغداء .. وبعده نستعد للتدريب على طوابير العرض العسكرى بالسلاح لتخريج سنة خامسة .. هم بشوات يستعدون للتخرج ويتقمصون شخصيات الضباط من قبل التخرج .. فيتفننون فى اختيار أزيائهم وقبعاتهم .. ولايحضرون غير طوابير التخرج للتدريب على التحية بالسيوف .. ومراسم التسليم والتسلّم .. وهى تسليم مسئولية قيادة الكلية بالكامل الى سنة رابعة .. اللى هى احنا
بعد انتهاء الطابور .. ساعة راحة قبل السادسة حيث طابور المساء .. فالتوجه الى صالات المذاكرة أو المشاريع .. ثم العشاء فى العاشرة .. فى الحادية عشرة نوبة رجوع .. إيذانا بالنوم .. وهو نوم اجبارى بجميع الكليات العسكرية .. الا نحن والا أصبحت كلية لم ينجح منها أحد .. فتتوجه سنة رابعة الى صالات المشاريع فى الغالب بملابس الرياضة .. لأنك لن تجد وقت للعودة الى العنابر لترتديها كما ذكرنا .. وهكذا وقوفا الى الصباح

نعم .. هذا هو البرنامج بلا مبالغة .. وألمح فى عينيك سؤالا حائرا تريد أن تسأله .. اذا متى ننام ؟
!! .. سؤال وجيه .. وإجابته أوجه .. فى المحاضرات طبعا

تذكرت كل هذا لشئ هام جدا .. فنحن فى عصر ماقبل الاوتوكاد نرسم كل شئ بأيدينا .. ولم تكن هناك مكاتب رسم جاهزة ترسم لك المشروع بالكامل .. وبعد أن أنتهيت من مشروعى .. قبل مناقشته بيومين .. كنت أسير مع زملائى فى الردهة التى تفصل بين صالات الرسم والفصول .. وهذه بها مقاطع لمحركات معدنية حقيقية للسيارات والدبابات للتعليم
كل منا يلف لوحاته الكلك الشفافة بعناية .. ويضعها فى رول أحمر جميل طويل وتسير به كالسلاح بالضبط .. تحافظ عليه مثل حياتك .. فهو مستقبلك كله

نسير الهوينا .. ونهزَ به قليلا للأمام والخلف
ويبدو أننى كنت أهزّ الرول بحماس زائد حبتين .. وفجأة .. إذا باللوحات تنطلق من الرول تبعى كالصواريخ .. وتطير فى الهواء
!! .. لتستقر فى أحد الثقوب الواسعة للسلندرات المرصوصة .. يانهار مش فايت

لم أدر ماذا أفعل .. ومجهود شهور ينهار أمامى .. ومستحيل أن تعيد هذا العمل مرة أخرى .. بكيت من الإحباط .. حيث لايجدى البكاء .. وعبثا حاول زملائى تخفيف تلك الكارثة عنى .. وصرنا نفكر .. ولم نجد غير محاولة لصق ماتمزق وما تكرمش من اللوحات باستخدام السيلوتيب

خرجت اللوحة الرئيسية ملصّمة بالقدر الذى يمكن معه المناقشة .. مع تنزيل التقدير درجة واحدة .. المهندس يجب أن يحافظ على شغله .. فلا يمكن تسليم العميل لوحات تنفيذية ملصّقة

أخطأت فى شى واحد
!! .. عندما وضعت اللوحات فى الرول .. نسيت أن أضع غطاؤه .. وسرت به والفتحة لتحت .. فلم آراها


يانهار مش فايت ..

Wednesday, August 13, 2008

يعنى ايه ؟ .. اختفى ؟ -
مش لاقيينه خالص .. دورنا عليه فى كل مكان .. -
ولما ييجى اصحابه .. هانقولهم ايه ؟ -
والله مانا عارفة .. حاجة تكسف .. -
يكون هرب ؟ -
ويهرب ليه .. الأكل عنده والميه والمكان -
نضيف بس هو بقى له يومين مش باين
غريبة قوى الحكاية دى ؟ دورنا كويس -
تحت السراير ؟ تعالوا ندور تانى

وبعد فترة
.. لقيناه -
فين ؟ -
تحت السرير .. ورا الشنط .. ياعينى شكله تعبان .. -
الحمد لله .. -

كان هذا مشمش .. أخو ميشو
ميشو هذا هو القط الإيرانى الجميل الذى اعطته ايانا طنط حورية لأن الأولاد نفسهم فى قط صغير .. لكنه الآن بسم الله ماشاءالله صار شابا قويا يغدو ويروح فى الشقة كأنه حكمدار المنطقة .. يتفقد هذا .. ويمر على ذلك .. كأنه سيد حقيقى لهذا المنزل وليس أنا .. الكل فى طاعته .. اللبن والماء فى ميعاده .. والرمل الذى كنا نغيّره الشيكارة بخمسة جنيهات مع أننا نعلم تماما أن عوّاد يأتى به من أى كوم رمل لأى حد يبنى فى المنطقة .. وهذا لمكان قضاء الحاجة .. غير التدليل والتسريح

وحقيقة سعد به الأولاد كثيرا .. وغير التربيت والمسح كان يحلوا لهم تقبيله .. خصوصا لولو التى لم يكن سنها يتخطى الثلاث أما أنا فكان كثيرا ما يتمسح بى .. ويركب كتفى أثناء جلوسى على طاولة الطعام اذاكر .. أو يرقد فى جلبابى وأنا نائم فلا أتقلب حتى لاأوقظه من النوم .. أو جانب أذنى فاسمع تلك الوورر المنتظمة حتى يبتعد

وتاريخنا مع القطط البلدى والسيامى والشيرازى المخلط والأصلى عريق جدا يمتد الى صباى .. ومعايشتنا لها جعلتنا نتعامل معها بمنتهى الرقة .. وبمنتهى الصرامة أحيانا .. فالقط حين يتملكه الغرور يصبح من الصعب تأديبه .. وقاموسنا العائلى يحتوى على كم لابأس به من أساليب التأديب تبدأ من حرمانه مؤقتا من شئ يحبه وتنتهى بالضرب اذا لزم الأمر وتكتيفه .. صحيح أنه سوف ينوبك منه خرابيش كثيرة الى جانب العضّ .. ولكنك إذا أمسكت جيدا بأرجله الأربعة فستتمكن منه .. ولاتهددك تلك الزمجرة الطويلة التى تنذر بعاقب الأمور لأنها ستتحول فيما بعد الى مواء يستعطفك لتخف عنه

وزمان أثناء سيرنا من الفرنساوى الى فم الخليج بيت عمتى أنا ونبيل .. كنا نسلك الطريق خلف جامع عمرو بن العاص .. طريق المقابر .. وحين كنا نرى قطة سوداء كنا نجرى بعيدا .. وكان يحذرنى ألا أدعها تمر من بين رجلىّ .. والا مسخت قردا .. فهى الشيطان فى شكل قطة .. بعد فترة .. ملأ رأسى التحدى .. فوقفت مرة .. ونظرت فى عينيها مهددا .. فلا هى مرت من بين ساقى ولاشئ
هكذا كانت الأوهام والحكايات تسيطر على عقولنا الصغيرة .. وهكذا شببنا على ان القطط مخلوقات كغيرها .. ليس فيها شئ غير عادى

وفى يوم .. كانت طنط حورية على سفر .. فطلبت منا أن تستضيف مشمش .. أخو ميشو .. مؤقتا الى حين عودتها .. فرحبنا بكل سرور .. والأطفال كانوا أسعدنا طبعا .. فدندن ولولو كل واحد منهما سيكون له قطه الخاص .. مافيش خناق بعد الآن

وجاء مشمش .. حتة دين مشمش .. لونه مشمى أيضا .. لكن فرائه كان منفوشا جميلا ناعما .. السيد ميشو كان شعره خشن قليلا .. كان مشمش ذيله فخما .. مرفوعا دائما .. يتيه مختالا فى مشيته .. بينما ميشو بيه ذيله كالقصبة .. صحيح أنه يرفعه .. ولكن شتان .. مشمش أجمل وأنعم

فهمنا فى النهاية أن طنط حورية خدعتنا .. أو هكذا ظن الأطفال .. لكننى كنت أعرف أنه من غير المعقول أنّ يعطيك أحد أحلى قط عنده المهم أنه عندما حضر الأخ الجديد .. كنا نعد الأكل للإثنين معا .. وكان شكلهم جميلا جدا وهما يأكلان جنبا الى جنب .. كذلك وهما يتجولان سويا .. أخوات فعلا ..
!! .. إلا أن هذا الحال لم يدم طويلا .. وبدأت مشاحنات صغيرة بينهما .. تحولت الى مشاجرات .. ثم اختفى مشمش
وحين عثرنا عليه .. وجدناه شاحبا هزيلا وعينه اليمنى شبه مغلقة تقريبا .. وعلى مايبدو أن ميشو هبشه فى عينه .. ليس هذا فقط .. بل حددّ إقامته تحت السرير خلف الشنط
ثم تولاه الصغار .. وكأنما اعادوه للحياة مرة أخرى .. مع نظرات تهديد وتوعيد كلما مرّ أمام السيد ميشو
وفى يوم .. وجدت لولو الصغيرة وآثار خربشة وجروح فى وجهها
ايه اللى عمل فى لولو كده ؟ -
ميشو .. -
ازاى ؟ -
كانت بتبوسه فى وشه فخربشها .. واتعورت -

.. بسّ
لم أدرى بنفسى الا والدماء تجرى فى عروقى .. والخواطر تنهال على رأسى .. الققط غدّارة .. مالهاش أمان .. القطط تاكل وتنسى .. ناكرة للجميل .. ووجدتنى أمسك بالمقشة وأطارده فى كل مكان .. حتى عندما كان يختبئ تحت السراير .. كنت أرفع المراتب بعيدا حتى يظهر لى جليا

نعم .. نال علقة ساخنة .. بعدها كنت أنظر اليه من بعيد فيختفى عن وجهى تماما .. ولايسلك أى طريق أنا فيه .. وصار لايقترب من مشمش أبدا
وهكذا حتى عادت طنط حورية من المصيف .. فأرسلت لها الإثنين

!! ..قطط

Friday, August 8, 2008

أنا محتاج تمانين جنيه .. مش عارف أدبرهم ازاى -
عاوز تعمل ايه؟ -
عاوز أدفع مقدم ثلاجة وبوتاجاز .. وأدفع قسط من -
مقدم الايجار
تمانين جنيه مبلغ مش صغير .. -
بافكر أعمل سلفة .. أو استبدال معاش .. -
أستبدال ؟ .. بدرى كده؟ -
فيه حلّ تانى ؟ -
فيه طبعا .. أنا لو مكانك مش ممكن اسلف أبدا -
المحتاج .. يعمل ايه ؟ -
فيه طرق تانية كتيرة .. -
ازاى يعنى ؟ -
بص .. تقابلنى النهاردة بعد الظهر ؟ عالساعة سابعة كده ؟ -
فين ؟ -
عالقهوة اللى قدام سينما الأهلى فى السيدة .. -
أشمعنى يعنى ؟ -
قابلنى وأنا هاوريك حاجات كتير .. -
ماشى .. -

كان هذا الحوار بينى وبين مراد .. وهو زميل مهندس جدع وابن بلد .. يكبرنى قليلا .. احبه واحترم .. وهو كذلك .. كان يتوسم فىّ شيئا ما .. وبالتأكيد غيّر رأيه بعد حين .. يتميز بالقدرة على التصرف .. وسرعة البديهة وهناك على القهوة .. تقابلنا .. وبدأ يعرفنى على الأصدقاء .. فلان .. مدير بنك (..) .. الاستاذ فلان .. رئيس ادارة ( .. ) بمصلحة الضرائب .. الحاج فلان .. تاجر خردة وقطع غيار سيارات .. الاستاذ علان .. تاجر سيارات جديدة ومستعملة .. والقائمة طويلة
تشرب زنجبيل ؟ -
أشمعنى زنجبيل ؟ -
كلنا هنا بنحب الزنجبيل .. -
أشرب زنجبيل .. مش بيجلى الصدر ؟ -
طبعا .. -
خلاص .. -

فى هذه الجلسة افتتح مراد القعدة بعشرة دومينو عادة .. مع اتنين تجار .. اتفق معهم على بيع سيارتين مستعملتين .. واحد فيات قردة 1100 والأخرى 2400 بولندى .. وفى الجلسة الثانية انتقلنا الى ترابيزة أخرى .. حيث زبون يرغب فى شراء عربة فيات قردة عملية بسيطة بيع وشراء وسمسرة .. تعمل حوالى ميت جنيه ..
فى اليوم التالى كانت جلسة جديدة .. وهذه المرة مع تاجر كيماويات وآخرين .. واشتركت فى اللعب .. كنت الاحظ فقط مايجرى .. وفى هذا الوقت بالذات كانت هناك أزمة فى الزنك .. سعره الرسمى حوالى 40 قرش للكيلو .. بينما فى السوق السوداء يبلغ 150 قرشا .. فهو شاحح وقليل جدا

على الجانب الآخر .. كان المصدر الوحيد لانتاجه هو شركة القاهرة للكيماويات . . ولأغراض البناء فقط .. حيث تمنح حصصه بتصديق معين لضمان عدالة التوزيع .. وبطريقة ما فهمنا أنهم يمنحون تصاديق للأفراد أيضا .. لكل فرد حصة هى عشرة كيلو لأغراض البياض المنزلى .. لكل من يريد أن يدهن شقته الخاصة .. يمنح لمرة واحد كل خمس سنوات

الطريقة .. طلب الى الشركة مشفوعاً بعنوان السكن وصورة عقد إيجار واقرار بانه لم يسبق الصرف .. وحلفان على المصحف بأنك مش هتاخد تانى

ومضت فكرة فى رأس مراد .. وعرضها على .. أعجبتنى
طيب لما هى عجبتك .. ساعدنى ؟ -
ازاى ؟ -
نخلى أكبر عدد ممكن يمضى الطلب .. -
وهاجمع الأوراق كلها .. الطلبات وصور عقود الايجار والاقرارات -
وليك ياسيدى 10عشرة فى المائة -
نعم ؟ -
ماتزعلش .. عشرين -
خمسين .. -
أنا اللى .. -
حلال عليك .. -
خلاص .. موافق .. -

كان عندنا اثناعشر موظفا بالمصلحة .. من أول مدير حتى آخر موظف .. وكلهم لاحاجة لهم فى هذا الزنك .. وكل واحد له عشرة كيلوجرامات زنك .. يعنى 120 كيلو زنك .. يأخذه التاجر بسعر 120 قرشا للكيلو ليبيعه ب 150 فى السوق .. الحسبة كلها تعمل حوالى 96 جنيها

وعلى مدى اسبوعين ظل الموظفون فى المصلحة يسدون الى تلك الخدمة .. فأنا الذى احتاج الى هذا الزنك لتجهيز شقتى وأنا على مشارف الزواج .. حتى اكتملت الاوراق .. فأعطيتها الى مراد الذى تقد بطلب مجمع كمندوب عن المصلحة .. الى شركة الكيماويات .. ودفع قيمتها

لم يكن أحد يعرف بتلك الأزمة .. بل أن أحدا لم يهتم بهذا الموضوع أصلا .. لأنه لايحتاج الى زنك فى ذلك الوقت .. فلا أحد ينوى اعادة دهان شقته أو تجديدها .. كلهم ماصدق أن قام البيت على حيله وكفى الله المؤمنين القتال

وفى أمسية .. على نفس القهوة .. باع مراد التصديق فقط الى تاجر الكيماويات .. الذى باعه قبل أن نغادر القهوة الى آخر ليتسلم
الحصة من المنفذ المعتمد .. وهكذا .. حصل مراد على أجر السمسرة بين طرفين .. وحصلت على نصيبى الذى قرّبنى كثيرا مما احتاجه

لكننى أعترف بأننى لست من هذه النماذج من البشر .. والتى تتميز بأنف دقيق يشتمّ رائحة المحتاج عن بعد .. وكذلك رائحة النبع الذى يروى هذا المحتاج


&
عشرة كيلو زنك ..

Saturday, August 2, 2008

ياحضرة الناظر أنا هاوقع لسيادتك على بياض على الاقرار -
ان شريف هايكون آية فى الانضباط
يا سيادة العميد هذا الموضوع بيتكرر كتير وده هايأثر على مستواه -
فى الدراسة
أنا أتعهد لسيادتك انه هاينتظم فى المدرسة وهايكون قدوة .. سيادتك -
مش عارف .. احنا بنعده انه يكون عالم متخصص مستقبلا ..
بعد مايلتحق ان شاءالله بالكلية الفنية
نتمنى له كل التوفيق .. لكن زى ماوضحت لحضرتك .. -
لابد من الانتظام والتحصيل .. العلم يأتى بالجهد المتواصل والحضور
اهو قدام حضرتك .. ( متوجها الى ..) .. شريف عاهدنى -
انك تلتزم من هنا ورايح .. وأنا هاتابعك بنفسى .. قدام حضرة الناظر دى آخر مرة إن شاءالله .. خلاص ؟
حاضر .. -

ثم وقع خالى باعتباره ولى أمرى على الاقرار .. هو العميد طيار عمر الطهطاوى .. أحد أشهر الضباط فى سلاح الطيران
والقصة أنه كان المسئول عن متابعتى بالقاهرة حيث كانت أسرتى كلها فى طنطا مكان عمل والدى .. حين كنت أنا بالصف الثانى الثانوى

وكان النظام بالمدرسة يقتضى تحويلى وفصلى منها إن لم أحصل على 70 بالمائة فى الامتحان النهائى خلال سنوات النقل حفاظا على المستوى العلمى للمدرسة .. مع احتفاظك بحق واحد .. أنه يمكنك الالتحاق بأى مدرسة تختارها داخل الجمهورية .. بعد رفدك طبعا

ولم يكن هذا أول انذار بالرفد للغياب .. بل تكرر ذلك أكثر من مرة .. وفى كل مرة كان يتصدى خالى لهذه الخطابات لأن عنوانه هو الموجود لدى المدرسة

لكن لماذا كنت أغيب .. ؟
كانت أحد أحلامى وأنا أعشق كرة القدم أن أصبح لاعبا مشهورا .. زرع أبى حبها فى قلبى منذ نعومة أظفارى حتى أنه بناءا على الحاح منى طلب من الخواجة جورج بالعتبة أن يصنع لى حذاء كرة قدم يناسب صبيا فى العاشرة .. بالاضافة الى حذاءه وأحذية باقى اللاعبين بفريق أبى قرقاص بالمنيا والذى كان مشرفا عليه


هذا الحذاء كنت اتباهى به على أقرانى الذين كانوا يلبسون حذاء كاوتش ..
وللحق كنت لاعبا جيدا .. لأ .. لاعباً حريفاً وبسبب كرة القدم كنت أشهر من النار على العلم بالمدرسة والمنطقة ثم الكلية بعدها .. فهم لايعرفونى الا بها


كبر معى هذا الطموح .. وزاد ت معه درجة لحاحى على الوالد بأن يقدم لى فى نادى الزمالك .. أما لماذا نادى الزمالك فهو لأن حنفى بسطان الذى الملقب بالصخرة السوداء لدفاع مصر كان زميلا قديما له بمدرسة الابراهيمية الثانوية .. دخل بعدها والدى كلية الشرطة ودخل حنفى كلية الشهرة

وفعلا .. أخذنى الى عين الصيرة .. وضمنى كابتن حنفى الى مركز التدريب .. هذا المركز به أكثر من سبعين صبى دون السادسة عشرة .. نذهب كل يوم .. ويقسمونا الى عدة فرق .. تلعب على أرض خضراء خارج النادى .. و يشاهدها شريف الفار جالسا على كرسى .. فيختار منها .. ويشكل فرق أخرى تتبارى مرة ثانية

سعيدوا الحظ من ينبه عليهم بالمجئ فى اليوم التالى فى نفس الميعاد .. أما الآخرون .. فانهم يعودون والدموع فى عيونهم لذهاب أحلامهم .. واستمر ذلك السيرك المنصوب بشكل يومى لمدة شهرين متتابعين .. حتى انتهى بانتهاء اجازة الصيف وانا فى ذهاب واياب وعقلى مشغول بشئ واحد .. أن اصبح لاعبا بنادى الزمالك .. وفعلا .. شاء الحظ أن يختارونى .. مع الاتربى والجوهرى الصغير .. تحت ستاشر سنة

كل لاعب صغير له لوكر وحده فى غرفة الملابس .. وكرتان بنية مرقمة .. كانت كرتى رقمها 18.. واتنين طاقم ملابس فخم .. واحد بخطين والآخر سادة .. وفى كل مرة تجد ملابسك نظيفة مكوية فى اللوكر تبعك .. مفتاح معاك والآخر مع المشرف على الحجرة .. أما أرض الملعب .. ففيها المدرب العظيم فاندلر .. وحمادة أمام وعلى محسن ونبيل نصير .. وسمير محمد على .. وكنت مذهولا .. هل أنا أمشى بجانب هؤلاء ..؟ المشاهير الذين نسمع أسمائهم فى أواخر عهد الراديو وبداية التليفزيون الابيض والاسود ؟
بعد التمرين .. ننتقل الى المطعم .. وكل كما تشاء .. فالاطعمة منتقاة بعناية .. لا تسمح لك بالكلبظة أبدا مع هذا المجهود الذى تبذله


وبينما كنت أظن التدريب مجرد تقسيمة جميلة بين فريقين .. وجدت معظمه مخصصاً للياقة البدنية .. بعضها أرضى والآخر قفزاً .. أو الجرى بدون كرة .. غير العدو حول الملعب الى ماشاء الله الذى خصنى به شريف الفار وزملائى يلعبون تقسيمة لازداد غيظا وكمدا .. ذلك لأنى كان نفسى قصير .. فكيف أصير جناحا سريعا وأنا لاأقوى على قطع الملعب جيئة وذهابا ولعدة مرات ؟
!! غير أن الجلوس فى النادى مساءاً له رونق آخر .. لأن هناك الصحفييون والاذاعيون الذين يبحثون عن خبر هنا .. أو موضوع هناك
هذا بالاضافة الى الجميلات الكثيرات فى أخطر سن للمراهقة قبل استخراج البطاقة الشخصية بشهور ودخول أفلام الكبار فقط

كان التدريب ثلاثة أيام فى الاسبوع .. السبت والثلاثاء والخميس .. والمشوار طويل جدا حيث لم يكن هناك سوى اتوبيس 11 الذى يذهب الى ميت عقبة من عين الصيرة .. وهكذا حتى ألحق بالتدريب الساعة فى الثالثة عصرا .. كان على أن أنطلق من الحادية عشرة صباحا .. ومن هنا جاء التزويغ من الحصص مبكرا

كذلك لما كان تدريب الخميس مع الجلوس فى النادى بعده وذلك للراحة بعد هذا المجهود العنيف وأشياء أخرى ينتهى فى تمام الثامنة مساءاً أو بعدها حسب الأحوال طبعا .. من هنا جاء عدم سفرى بانتظام الى الأسرة فى طنطا
بهذه الطريقة أصبح أبى يعرف عنى بصعوبة .. وخالى لايريد أن يغضبه أبدا وهكذا شريف كويس وبخير وماشى والحمدلله فى المدرسة .. خصوصا وأن كل جوابات الانذار والرفد كانت تجد طريقها الى خالى بدلا من والدى

إلى أن جاء يوم .. كان ثلاثاء على ماأذكر .. نزل فيه والدى الى المدرسة رأسا ليرانى .. وصلها فى الحادية عشرة .. فلم يجدنى .. سأل .. قالوا له غائب .. سأل عن خالى فلم يعثر عليه
عدت من التدريب على عمتى .. فوجدته هناك .. و

بعد أيام .. التقى حنفى بسطان ..
وبعدها بقليل .. تقرر شطب قيدى من النادى ..

لو اتكسرت مرة .. هتاكل طوب ..