Monday, March 10, 2008

أثناء فض الاشتباك الأول ..

أولا .. كان علينا أن نصل الى نقطة الاستلام على الخط " أ " من قوات الأمم المتحدة .. وثانيا كان علينا تأمين الفرقة الميكانيكية من الشرق

انطلقنا بسياراتنا الملاحية ومعنا كل الخرائط والأجهزة .. وبعد مسافات طويلة قطعناها بالسيارات وسط تلك الكثبان الرملية والطرق الوعرة فى صحراء سيناء .. اكتشفنا ان الرمال والرياح والعواصف اخفت معالم طرق كثيرة .. وهكذا تهنا

طرق موجودة محددة على الخرائط .. لكنها انمحت من الوجود ونحن نلقى ببصرنا على مدد الشوف فى تلك البيداء المترامية
كنا نختبر ونعمل مجسات كثيرة ونحن نستخدم عصى طويلة حتى تخترق الرمل وتصل الى شئ صلب .. نخاله طريق أسفلت قديم كذلك
كنا نبحث عن واحة واضحة على الخريطة ولا نراها فى الحقيقة .. حتى انتهى بنا الأمر الى العثور على بدوى مترجل يبحث عن بعيره فى الصحراء .. قلنا نستعين به فليس أمهر من هؤلاء الأدلة فى التعرف على دروب ودهاليز سيناء .. لكن الرجل رفض الركوب .. ومضى سائرا بجانب السيارة .. ونحن نتقدم ببطء شديد بمحازاته حتى لايتوه منا .. فاذا تاه .. النتيجة معروفة .. لاعودة لنا

وبعد مسافة ليست بعيدة اطلاقا اذا بمنحدر شديد مختفى عن نظرنا ينفتح على بانوراما جميلة من النخيل يتوسطها تلك الواحة .. وهناك .. جلست الجمال فى سلام تأكل من النخيل ما قصر منها

اذن اخيرا وجدنا بغيتنا .. وصلنا الى " الطاسة " .. وعرفنا بالضبط الخطوط التى ينبغى تسلمها .. لم تكن قوات المم المتحدة بأحسن مننا حالا .. فوصلوا بعدنا بقليل .. وتم التسلم .. فرفعنا علمنا .. وعزف البروجى لحن رفع العلم .. وحييناه .. وانصرفنا بعد هذه المراسم
كان علينا بعد ذلك التوجه جنوب رأس سدر لننجز العمل الثانى

أكثر من 800 كم منذ انطلاقنا من غرب القناة كان علينا قطعها .. وكنا ثلاثة ضباط .. غير السائق .. نتناوب القيادة بطول الخليج من الشرق .. كانت لازالت فترة طوارئ متصلة .. وكانت لازالت جيوبنا مملوءة نقودا كثيرة .. لكن لاشئ تشتريه .. وبعد مسافة طويلة فرغ ما معنا من طعام .. واستبد بنا الجوع .. وكنا نمنى انفسنا بأى قهوة .. أو دكان نبتاع منه اى شئ نأكله
لكن لاقهوة .. ولادكان .. وقد قاربت الشمس على الغروب .. وبدأ الليل يزحف علينا والظلام يزيد الدنيا وحشة .. وبطوننا تعوى من الجوع
الى هنا .. غلبنى خاطر غريب .. فأنا معى فلوس كتير .. لست انا فقط .. بل وكل من معى .. ويكاد يغمى علينا من الارهاق والجوع معا .. وكأن هناك شيطانا يقول لى .. خلاص .. كل فلوسك ان شئت .. ماذا تساوى الآن ؟ .. لاتساوى رغيف واحد فى تلك الصحراء الفسيحة .. بل ويمكنك ان تصرخ بأعلى صوتك .. لن يجيبك أحد .. ولن يسعفك

رهبة المكان .. ومعه الزمن .. فانت فى عالم غير العالم .. لايشغل تفكيرك ولامشاعرك ولاشئ فى الوجود سوى شئ واحد فقط .. عاوز آكل أى حاجة .. لاتحدثنى عن أى شئ آخر .. قوللى فين ألاقى حتى ورق شجر لأكله
وهناك .. ونحن بين الحلم واليقظة .. والخوف أن يكون مانراه سرابا مع دغششة فى العين من الارهاق والجوع معا لمحنا كافيتيريا .. تصور ؟
وفى أقل من ثانية توجهنا اليها رأسا وكأننا فى غارة مفاجئة نكاد نفتك بها .. دخلنا .. وجلسنا نمنى أنفسنا بأى شئ .. كان العمال يجمعون الكراسى فوق المناضد وينظفون الارضية ويجمعون ما القى الزبائن استعدادا للاغلاق
لأ .. فى عرضك .. شوف لنا أى حاجة ناكلها .. -
الحقيقة .. احنا شطبنا .. -
يعنى ايه ؟ -
.. اصل كل الحاجات خلصت .. -
هات لنا اى حاجة عندك .. -
ماعادش عندى غير حاجات كده .. ماتنفعش للأكل .. -
زى ايه ..؟ -
.. عندى بسكويت .. -
هايل .. هات كله .. -
وطرشى .. وميريندا .. -
.. -

كنا مذهولين .. ولكننا كنا قد قتلنا الجوع .. وهكذا اكلنا بسكويت .. وطرشى .. وميريندا برتقال ..
!! .. تخيل لو كان الويتر فى جروبى اقترح عليك هذا
طرشى وميريندا ..

21 comments:

Shimaa Gamal said...

صدق اللى قال الجوع كافر ، بس الطرشى و الميرندا حلويين مش عارفة إزاى البسكويت إتبلع دخل معاهم بس أهو أى حاجة و خلاص
تفتكر إن اللحظة دى كانت لحظة من اللحظات اللى بيكتشف فيها الإنسان إنه ضئيل جداً مقارنة بالكون ؟
لما يكون معاك فلوس و مش عارف تلاقى حاجة تاكلها ، بالضبط زى لما دكتور يقف بعلمه قدام مرض و مايعرفش يعالجه ، زى ما نفوذك يخونك . زى مليون حاجة صغيرة بنتسند عليها فى حياتنا و تيجى لحظة نكتشف إن كل ده و لا حاجة .
المهم إنك أكلت و شربت و إن سيناء لسه سيناء

My Best Regards
Shimaa

Sherif said...

shimaa

That's the point. You think you own , whereas .. you just deal ..

بمعنى انك تعتقد انك تملك .. بينما انت فقط تتعامل .. تعتقد انك تملك المال .. بينما انت تتعامل معه .. وقد يطير فجأة من بين يديك لمليون سبب لادخل لك فيه..أو يصبح لاقيمة له .. وهكذا الاحساس بالضآلة كما قلت انت

لكن ماهى الثروة الحقيقية التى تملكها وتشعر معها انك تملك الكون؟

حب الناس .. وبعض الاخلاق .. وهذه هى التى لاتضيع ابدا .. حتى وانت بين يدى الله

حضورك وآرائك يثرى هذه المدونة .. اشكرك من كل قلبى

اجندا حمرا said...

صدق اللي قال الجوع كافر

ميراندا و طرشي و بسكوت

ذكرياتك دايما جميله ياشريف و فعلا لما بنقعد نفكر في الذكريات دي بعد فتره بنستمتع بيها و علي اد ماكانت مواقف صعبه زمان بنشتاق ساعات ليها

تحياتي ليك ياجميل

Sherif said...

اجندا

على فكرة .. انت من الناس اللى ساعات اتخيل تعملى ايه لو حدّ عرض عليكى الاكل ده؟

يسعدنى مرورك دائما

Shimaa Gamal said...

Hello Sherif
It is a real pleasure reading your blog. I am the one who should thank you for all your sweet words.

My Best
Shimaa

Desert cat said...

ايه الرحلة الشاقة دى
يعنى تروح الصحراء كدا وماتفكرش تسال عنى
ده ايه الصداقة اللى مش جايبة همها دى طيب هو البدوى مش قالك قطة الصحراء قريبة من هنا تعالى نطل عليها على الاقل كنتوا اديتونى شوية مرندا وقطعة بسكويت بدل العطش اللى انا فيه ده

weswes said...

رحله شاقه
وحيره بين مال بدون شئ يشترا
لكن لا اعلم لماذا اشعر ان اطلالة النخيل
لا تنسى
لك تحياتى

عاليا حليم said...

شكرا على زيارتك مدونتى

انا الحقيقة عجبنى الموضوع الى فات فكرته جميلة

تحياتى

سمراء said...

اري ذلك الحدث كثيرا عندما انظر من النافذة الاطفال يلقون بأنفسهم داخل صندوق القمامة احدهم يخرج الاوراق فقط واخر زجاجات بلاستيكية واخر يجمع الزجاج وهكذا الا انهم جميعا يقومون باخذ البواقي الموجودة بعلب البيتزا او كسر الخبز او يقومون بلحس علب الشيكولاته المرنة التي يلقي بها الجيران فنحن نسكن في حي يسكنه اغنياء
هل تعتقد ان الطرشي والميرندا والبسكويت هم افضل

اسلوبك شيق
اشكرك

Sherif said...

Desert Cat العزيزة

الصداقة موجودة وانا بسأل بنتظام والله .. بس انت ربنا يخللى .. حبايبك كتير وانا مش باين فى وسطهم ..

تسعدنى زيارتك .. كما تسعدنى آرائك ..وحياديتك الجميلة فى مواقف ساخنة

اهلا بك دائما

Sherif said...

weswes

لك نفس شاعرية أحست بمنظر النخيل والواحة فى تلك الصحراء
خصوصا وانك يصيبك العطش بمجرد دخولك اياها .. مجرد حالة

شرفتى المدونة

Sherif said...

عاليا

شرفتى مدونتى البسيطة .. واسعدنى ان اعجبك شيئا

يارب على طول

Sherif said...

العزيزة سمراء

زيارتك تزيدنى نورا وتشريفا

لاادرى ماذا اقول .. هى بالقطع مأساة بكل المقاييس
وعندها .. فالطرشى والبسكويت أرحم

أسعدنى مرورك

Blank-Socrate said...

احب الجوع و لى تدريب سنوى بالصوم فترة اطول بكثير مما صامها هؤلاء الضباط
لانى فى الجوع اعرف الكثير عن نفسى

Sherif said...

عزيزى سقراط

حينما نصوم بارادتنا فنحن نعرف ابعاد هذا الصيام مهما بلغ

اما حينما تصوم رغما عنك .. وانت لاتدرى حتى متى تجد نقطة ماء .. فالمؤكد ان الأمر يختلف ..

يسعدنى تشريفك

Arabic ID said...

سؤال

ما أكثر ما كنتم تخافون منه حينها؟؟

أنقطاعكم عن الدنيا
أم أن لا تستطيعوا انجاز مهمتكم فى وقتها

----
ما هى الشجاعة إن لم تكن ما فعلتوه وتحملتوه

----
تحياتى

Sherif said...

الشاب الوسيم
Arabic id

يقول نابليون .. إن الجيوش تمشى على بطونها .. وهو فى حربه أكلت جيوشه الجياد .. فماذا تظن ياعزيزى أهم ؟ طبعا ناكل

هى لحظة تأمل .. ماقيمة ماتملك اذا كان ماتريد غير موجود ؟ .. هو فعلا احساس بالضآلة أمام زيف الأشياء .. وضياع الحقيقة

يسعدنى حضورك دائما

klmat said...

يااااه
خلتينى اشعر بالقلق لما يبقى الواحد تايه فى الصحراء ومعاه الخريطه بس معالم الطريق اختفت شعور مخيف والحمد لله انكم صادفتنم هذا البدوى ووصلتم للواحه الجميله
الفرج بعد الضيق
من توهان الى الجوع رغم وجود الفلوس
سبحان الله .الحمد لله انها فرجت
بسكويت وطرشى ومالو ماهو مافيش
اختيارات . ذكريات جميله رغم القلق والمعاناه ومكتوبه باسلوب مشوق ربنا دايما يخفظك ويحميك
خالص تحياتى وتقديرى

Sherif said...

klmat

هل رأيت ان ساعات الفلوس مهما كانت ..مش بيبقى لها قيمة ؟

حقيقى والله

Miss Egyptiana "Trapped Soul" said...

طالما ظننت ان المال وسيلة... وفى بعض الاحيان تكون كسرة الخبز اهم من قناطير من الذهب
------------------

الضياع
احساس مادى ام معنوى؟
اعتقد ان فى هذا الموقف كان يحمل المعنيين

ماديا ... لا يوجد اى دليل على وجود حياة... بل تتكاتف كل الافكار السوداء لتقطع عليك النظر الى ما خلف ضباب الخوف

معنويا... احساس الضآلة اما قوى الطبيعة... ذرات الرمال تفنى مدن

احساس الحياة يتجدد عند رؤية الواحة
ولمعان اللون الاخضر وازرق الماء فى العيون
السلام والراحة ومن ثم نسيان الصعب

والعودة مرة اخرى الى النفس البشرية التى تظن انها ملكت العالم
------------------

انا فهمت بسكويت وميرندا
بس طرشى؟؟
من غير حاجة كده

عند الجوع .. يفكر المرء بمعدته
ويقبل ما لا يقبله فى العادة
تنمحى الفلسفة والعقل والتفكير
ويعود الانسان الى خلقه الاول

تحياتى يا غالى

Sherif said...

Egyptianna,

أحيانا .. لأ غالبا ما أشعر بأن ما أكتب لايكتمل دون تحليلك الجميل له

ذلك التحليل الذى ينفذ الى اعماق النفس الى لآلئها وكنوزها

هناك أيضا من يصاحبوك من اصدقائك أينما ذهبت حتى اصبحوا اصدقائى انا مثل محمود بلدياتى

خلاك الله لى ولمحبيك