Sunday, May 25, 2008

صباح الخير دودو شيئا -
هكذا كانت تلقى على لينا حفيدتى تحية الصباح .. ولأنها كانت تشاهدهم فى التليفزيون يتحدثون الفصحى خصوصا فى بلاد الخليج فقد استقر فى خاطرها ان هذه التركيبة هى المناسبة لتصبح على جدها
تذكرت اننى فى كتاب القراءة الرشيدة وأنا صغير كانت هناك قصة عن رجل غنى بخيل أسمه يعقوب .. كانت لديه جوهرة ثمينة لايفارقها أبدا .. حتى كان اذا نزل البحر ليعوم يخبئها فى جيب صغير فينزل مطمئنا وثروته ملتصقة به

!! .. إلا انه فى يوم نزل كعادته والجوهرة فى ذلك الجيب ففلتت وسقطت فى البحر لتبتلعها سمكة كبيرة
وكان أن جاء صياد فقير .. ألقى بشبكته فوقعت فيها تلك السمكة وفى بطنها الجوهرة .. فلما وجدها فرح بها
" القصة تبدأ هكذا " يعقوب رجل غنى ، ولكنه بخيل ..
ولاادرى لماذا استقر فى ذهنى أن كلمة يعقوب معناها " كان فيه " .. يعقوب رجل غنى يعنى كان فيه رجل غنى كما نبدأ حكاياتنا عادة .. وظل معى هذا الفهم لفترة لدرجة اننى قررت أن أستعملها مرة فى موضوع للتعبير مستعرضا قوتى فى اللغة العربية .. ولم انتبه لذلك الخطأ الفادح الا مع وجود صفر كبير مع شطب لتلك الكلمة بالخط الأحمر .. أزالا بعدها ذلك اللبس من رأسى نهائيا

كنت أتبادل تلك النوادر القديمة مع صديق العمر فى حوار عبر الهاتف .. والذى نازلنى بما هو أفدح فى سماعنا لكلمات الأغانى ليس بما
: يقال .. وانما بما يهيأ الينا .. قال
أنا نفسى كان عندى فى طفولتى مفهوم غريب جدا فقد كانت هناك أغنية لليلى مراد كانت تقول فيها : واشوف نفسى جنبك ده شىء موش بعيد .. العبد لله ظل حتى سن 30 سنة يتعجب كيف أن حبيبا يفتش فى جنب وكلاوى حبيبه بدعوى الحب ... فقد تصورت وفهمت النص كالآتى "واشوفلك فى جنبك ده شىء موش بعيد" وكنت استغرب الحاح ليلى على شق جنب حبيبها واستخراج كليته لفحصها وربما لسرقتها
ومثل ذلك أوبريت الليلة الكبيرة والتى كنا نسمعها يقولون فيها " ياغزال يا غزال .. العشق حلال بواب تانى دور .. خليتنى خيال " والتى لااعتقد أن اختلف عليها طفلان حتى تبينا أن " بواب تانى دور " هى فى الحقيقة "دوبتنى دوب " وهكذا استقام المعنى

غير أن اطرف مافى هذا النوادر ماحكى لى أن قريب له فى عصر التعليم الحديث بمصر المحروسة كانوا يحفّظون فيه الأطفال مواضيع الانشاء والتعبير التى تأتى غالبا فى الامتحانات

وفى يوم من الأيام وقد اقتربت امتحانات السنة النهائية للمرحلة الابتدائية .. استقر الأمر أو انتشر بين المدارس أن هناك موضوعا عن السوق .. 90 % جاى جاى كأحد الموضوعات التى يختار التلميذ أحدها..

وعليه فقد شمّر كل أستاذ عن ساعديه وأنشأ موضوعا جميلا عن السوق .. وبذل كل منهم جهده فى تحفيظ التلاميذ هذا الموضوع .. ومن ضمن هؤلاء كان هذا الطفل .. فجاء الموضوع الذى تقرر حفظه على هذا النحو

السوق مكان واسع رحب ترى فيه العربات هنا وهناك ، يقف بجانبها الباعة وهم ينادون بأعلى أصواتهم ليتعرف المشترون على "
منتجاتهم . وهذه العربات تجد عليها أصناف كثيرة من الخضروات فهاهو الفلفل الأخضر والجزر الاصفر والطماطم الحمراء الجميلة . وعلى الجانب الآخر هناك أيضا الفواكه المتنوعة مثل العنب الكهرمانى والبطيخ الأخضر . وهناك أيضا من يبيع الأدوات المختلفة التى
" يحتاجها كل منزل ..

: ثم جاء يوم امتحان العربى .. ووزعوا ورقة الأسئلة .. وجاء جزء التعبير كالآتى اكتب فى أحد الموضوعين الآتيين
ت 1- تتميز مصر بموقع جغرافى فريد يجعلها تقع فى منتصف العالم . أكتب كيف أن هذا الموقع يؤثر على التجارة العالمية شرقا وغربا وكيف أفاد ذلك الموقع مصر
ك 2- " كان الركاب متجهين الى أوروبا بالطائرة ، وفجأة سمع الجميع صوتا غريبا بالمحركات .. أيقنوا بعده أن الطائرة على وشك السقوط " احكى قصة عن هذا الحادث

وفوجئ الجميع بأن السوق ليس من بين هذين الموضوعين .. ومن بينهم طفلنا .. وبدأ يفكر .. هل يكتب فى موقع مصر المتميز .. وماذا يكتب وهو ليست لديه حصيلة جاهزة .. ؟ وبعد تفكير قصير قرر أن يكتب فى الموضوع الثانى .. فكتب

كان الركاب متجهين الى أوروبا بالطائرة ، وفجأة سمع الجميع صوتا غريبا بالمحركات .. أيقنوا بعده أن "
الطائرة على وشك السقوط وبينما هم مرتبكون حاول طاقم الطائرة تهدئة الركاب بلا فائدة .. فالمحرك تعطل .. وبدأت الطائرة تهوى الى الأرض
" .. ولكن لحسن الحظ .. سقطت الطائرة فى السوق .. وكان السوق مكاناً واسعاً رحباً ترى فيه العربات

هو السوق .. أما تعملوا ايه

Monday, May 19, 2008

.. لم أقوى على دخول غرفة الانعاش
لم أستطع أن أخطو الخطوة الأخيرة .. لآراه غائباً عن الوعى .. وقد فارقته ابتسامته التى لاأعرفه الا بها

أعترف بأنى أصبحت أضعف كثيرا مما سبق .. لم تكن دموعى سهلة هكذا .. لكن شدة التأثر أصبحت تلازمنى فى مواقف كانت فيما مضى تبدو بسيطة فى نظرى .. وامتدت أصابعها الآن الى معظم المواقف ولو مشهد فى فيلم كان من المستحيل أن يؤثر فى من سنوات مضت

لكنها الحقيقة .. وكلما مرت الأيام كلما زاد ذلك الاحساس بالعجز .. وقلة الحيلة ..

الأطباء يتشاورن فيما يمكن عمله لانقاذه من الهلاك .. وقد تساقطت واستسلمت مواقع كثيرة من جسده فى حربه مع المرض .. هذه الحرب التى بدأت بجلطة منذ ثمانية وعشرين سنة .. وأثرت على مشيته وذراعه .. ومع ذلك فقد كان مثالا لقوة الارادة

كانت له الايادى الطولى فى مساعدة زوجتى .. وتوفير كل السبل لها بكلية الطب التى كان يعمل بها .. قال انها كانت وصية والدها قبل وفاته وهى السادسة من عمرها

وبعدها أخى بنفس الكلية .. وأنا .. حتى أنا .. فقد كان الوحيد الذى لديه تليفون يعمل وقت أن كانت كل تليفونات وشبكة اتصالات مصر معطلة

أما أهمية ذلك فهو أنه كان وسيلة الاتصال الوحيدة التى استطيع أن أكلم منها زوجتى وابنتى وأنا فى البعثة .. خمس دقائق مرة كل أسبوع .. كانت دندن فى الرابعة من عمرها حين قالت لى عبر الأثير تقلد أمها .. مبروك يابابى على مقدم .. فكانت أحلى تهنئة تلقيتها ربما فى حياتى عندما ترقيت الى رتبة المقدم

هذا هو زوج خالتى .. الذى كانت له كل هذه الجمايل على الناس .. والذى أصررت على أن أحقق له طلبا بسيطا فى يوم من الأيام .. ربما لم يهتم به أحد
ففى عقد قران ابن خالتى وابن اخيه فى نفس الوقت .. كانت الموضة وقتها أن يعقد القران الشيخ متولى الشعراوى رحمه الله .. وكان يتمنى أن يراه رأى العيان وقتها .. ضمن المتواجدين من أخوته وأولادهم
كان يوماً شديد المطر .. وكانت معى سيارتى الفيات الصغيرة .. التى تميزت بالأتى .. زجاج السائق لا ينغلق .. والمساحات لاتعمل .. والمحرك يسخن فى نصف المشوار وهكذا دون اطالة واسهاب فى حالتها الفنية

توجهت الى قصر العينى حيث يقيم .. ونزلت معه بمنتهى التؤدة والهدوء .. وأجلسته بجانبى .. وامسكت بفوطة صفراء وجعلت ذراعى يعمل مساحة مطر يسرى خارج النافذة حتى أرى الطريق .. أما هو فكان لايرى غيرى من المطر المنهمر على الزجاج الأمامى .. وأيا كان الوقت الذى استغرقناه فسبحان الله وجدت بسهولة مكانا أضع فيه سيارتى حيث مستحيل أن تجد أى مكان
بجوار نقطة شرطة سيدنا الحسين وأمامه مباشرة

لم يمش كثيرا .. عدة أمتار وصعد .. واتم الشيخ الشعراوى القران .. ثم عدت به الى منزله

لكن الزمن ازداد قسوة عليه فى حياته .. فتوفيت ابنته عروسا صغيرة أثر نزيف فى المخ تاركة طفلا يتيما سافر مع ابيه .. فلم يعد يرى حفيده .. كما لم ينجب ابنه الأول .. ولم يوفق الثانى فى زيجاته الثلاث

وأخيراً اقعده المرض فى الفراش .. واصبح الخيط الرفيع الذى يربطه بدنياه هو التليفون فقط .. ومع ذلك كان يغيّر به الكثير .. الا أن يعطل فتنطفئ تلك الشمعة .. وحينما تعود يحرك الدنيا مرة أخرى بأصابعه ..

قليلا ماكنا نزوره مع تلك المشاغل المستمرة فى الحياة .. فتلك تسحبك اليها رغما عنك وتحوط عنقك فلا تستطيع الفكاك منها
لكننى لم أتمنى غير أن أظل غارقا فى تلك المشاغل فلا أفيق .. وكأن علىّ أن أركض حتى ألقى وجه ربى .. ربما حمانى ذلك من الانزلاق .. بينما لاأرغب فى التوقف وتأمل تفاصيل فى تلك الحياة أنا مدرك تماما انى مغادرها

وعلى قلة زياراتنا له .. لم أكن أرى فى كل مرة غير تلك الضحكة المستبشرة التى لم تفارقه الا حين غاب عن الوعى تماما وهكذا .. عجزت عن رؤيته .. كنت فقط أحاول أن أساعد بكل مافى وسعى .. ولم يكن وسعى ذلك ذا فائدة ترجى

فى السباق مع الزمن الذى يتعرض له كل انسان .. كنا بين الموافقة على اجراء جراحة عاجلة لانقاذ حياته أو لأ
مسألة ساعات قليلة لترتيب كل شئ
لكن هذا الجسد تهاوى فلم يعد يتحمل الآلام .. فتركنا نرتب .. وغادر هو

تألم كثيرا .. وعانى طويلا ..
فى هذا الموقف كان كل منا يتسائل فيما قصرّ ؟ .. وهل أدّى ماعليه ؟
وكانت ولازالت لدى قناعة مستمرة معى طيلة حياتى .. أن الفرصة لاتضيع أبداً .. وأن مالا نلحق عمله من خير لعزيز سبقنا الى الله .. نستطيع دائما أن نعوضه فيمن غيره
لم نلحق مساعدته فى العلاج .. لكن هناك الكثيرين ممن يشابه موقفه .. فلنحاول مساعدته
ربما أكون أخطأت فى حق انسان قريب لدى .. ولم تسنح لى الفرصة فى أصلاح ماكان .. لأنه سافر أو غادر واستحال على أن أعوّضه .. ففى أبنه .. أخيه .. أمه .. فإن لم يكن فأى أنسان فى موقفه .. وأنبه غيرى لما قصرت فيه حتى لايقف نفس الموقف
وهكذا ليس فى قاموس حياتى جلد النفس لاسباب خارجة عن استطاعتها .. ومنها الموت نفسه

لكننا ننسى أن الأعمار بيد الله .. وأننا مهما فعلنا عاجزون .. وهو ليس تقصيرا من أحد .. بل هى الحقيقة التى نهرب منها .. والخطر المحيق

" وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة " صدق الله العظيم

فليتغمدنا الله بفسيح رحمته ومغفرته .. آمين

نعدو .. فلا نلحق شيئا

Tuesday, May 13, 2008

كده انت مستعدة .. -
لسه مش قوى .. -
يابنتى أنت لو سألوكى جمال عبد الناصر كان بيحب ياكل ايه هتجاوبى .. -
بس الميثاق ده صعب جدا .. بالذات بالانجليزى .. -
و انت شاطرة .. يهمك ايه ؟ -
طب نراجع الفصل الأخير بس .. -
أنا بصراحة مش قادر اكمل .. تعبت .. -
خلاص .. هانتقابل قدام كلية المعلمين .. ؟ -
إن شاءالله الساعة سابعة .. باى باى بقى .. -
باى باى .. اوعى تتأخر .. -
حاضر .. -

كان ذلك الحوار بينى وبين ابنة خالتى وهى تستعد لامتحان منحة الفولبرايت .. هى فى سنة ثالثة ثانوى .. وأنا فى ثانية .. وهذه المنحة هى لقضاء سنة كاملة فى أميركا مع أسرة أميريكية .. ضمن برنامج التبادل الطلابى مع الجمهورية العربية المتحدة .. هكذا كان اسم مصر وقتها

حلم السفر الى أميركا كان فوق أى حلم آخر للشباب وقتها .. كلهم يعلمون أنهم سيقضون سنة هناك .. و ستضيع أمامها سنة دراسية هنا .. يعنى ببساطة هايعيدوا السنة لما يرجعوا .. فهل تراجعوا ؟ أبداً وحياتك .. فماذا تساوى سنة فى أميركا ؟ وان شالله يعيدوا سنتين مش سنة واحدة

وفى الموعد المحدد كنت هناك .. إذ اننى كنت من سكان شرق القاهرة .. وبالتالى فأنا المفروض شيخ حارة مصر الجديدة والزيتون ومدينة نصر .. أما هى فمن سكان جنوب القاهرة .. حى المعادى .. ولادراية لها بنواحينا
من هنا أصرت على أن أصاحبها الى مقر اللجنة .. على أن أمشى بعد كده .. وفعلا .. أوصلتها الى هناك .. وعرفت هى مكانها واخذت رقم الجلوس ودخلت

وأثناء استعدادى للإنصراف لمحت ابراهيم يدخل .. هو صديقى من مدرسة الزيتون .. حيانى وتحدثت الى المراقب .
ايه ده أنا اسمى مش فى الروستر ؟ -
طب نراجع تانى كده .. ( وبعد برهة) .. مش موجود فعلا .. -
يعنى أعمل ايه دلوقتى ؟ -
مافيش مشكلة .. حضرتك املأ البيانات دى .. وانا هاديك رقم مؤقت وخش امتحن .. كأنك قدمت بالضبط -
وفعلا ملأ البيانات .. وأخذ رقما مؤقتا ودخل ..

وبعد قليل ..
من فضلك .. أنا اسمى مش موجود فى الروستر ؟ -
مش معقول .. حضرتك كنت مقدم ؟ -
طبعا .. -
وبعد مراجعة متأنية للكشف ) .. على أى حال ممكن تملأ البيانات دى وهاديك رقم مؤقت .. اتفضل ) -

كان هذا الشخص هو أنا .. فقد أعجبتنى الفكرة .. وأدرت الموضوع بسرعة فى رأسى .. أنا لن أخسر شيئا .. بالاضافة الى ان مذاكرتى مع ابنة خالتى جعلتنى جاهز لأى امتحان وحتى شفوى
وفى أقل من دقيقة وجدتنى ومعى قلم وكراسة أجاوب .. الامتحان جميل وكأننى الذى وضعت الأسئلة
وهكذا جاوبت بما فتح الله على .. وبعد انتهاء الامتحان فوجئت هى بى خارج اللجنة
انت لسه مستنى ؟ -
لأ طبعا .. معقول ؟ -
أمال انت هنا لحد دلوقت .. -
أصلى امتحنت .. -
ازاى ؟ -
حكيت لها ما حدث بالضبط .. فرحت كثرا ...
حقة لو نجحنا سوا .. تبقى معجزة .. وكمان نسافر .. تفتكر انكل حسن هايوافق ؟ -
أكيد .. -
بس انت هاتعيد السنة .. -
مش هايهتم .. المهم انه يقول فى وسط اصحابه إن ابنه سافر اميركا .. -
مش هايقلق انك .. -
قصدك اسافر ومارجعش ؟ لأ .. هو متأكد انى لازم أرجع .. -
يارب ربنا يحقق أملنا .. -

ومرت الأيام .. وبعد شهر ظهرت النتيجة .. نجحنا نحن الاثنين .. ومرت شهور قليلة ونحن نحلم بالسفر الى ارض الاحلام .. أبلغتنا هيئة فولبرايت بالنتيجة .. ثم دعتنا لاجتماع صغير لتلقيننا بكل ما يلزمنا من معلومات .. وترتيب السفر .. واجراءات استخراج تأشيرة السفر والاقامة .. وطبيعة الحياة هناك .. وبروتوكولات هذا البرنامج

قالوا لنا انه يمكننا الالتحاق بالمدارس الحكومية هناك حتى لاتضيع علينا السنة الدراسية .. على ان نعادلها عند عودتنا
وكمان نتعلم فى اميركا .. ان شالله سنة واحدة
جهزنا جميع أوراقنا .. والعائلة كلها سعيدة بسفر اثنين منها الى هناك

ثم وقعت أزمة دبلوماسية بين البلدين .. ألغيت على أثرها كل المنح والبرامج التعليمية

أحلام ..

Wednesday, May 7, 2008

يارب اجعلنى أتذكر كل من وصّانى .. -
لديك الفسيح من الوقت لتذكرهم والدعاء لهم .. -
فالأشواط طويلة ..
هل تحبهم الى هذه الدرجة ؟ -
.. بالتأكيد .. لكن هناك الكثير مما أريده .. قائمة -
من الأمنيات تبدأ بالدعاء لبلادى بأن يبدّلها حالا أفضل مما هى فيه .. وينعم عليها بما تستحق .. وتنتهى بالدعاء لنفسى .. والأهل .. والأصدقاء
لكن أجد عقلى مشوشاً وسط هذا الزحام الرهيب .. وقد خلت أننا خارج مواسم الازدحام -
.. فلا نحن فى رجب أو رمضان ..
اللهم زد المسلمين عدداً .. واعطهم القوة .. -
بمثل هذا التدافع ؟ .. ان من يصل للحجر الاسود لايدعه لغيره .. ومن يتمسك بأستار الكعبة -
!! .. لايتركها .. وكأنها الملاذ وضمان الجنة
لازالت مهيبة فى ثوبها الاسود البديع .. وسط ذلك الصحن المرمرى الابيض كأنه مضئ -
.. وتلك الانوار المتلألئة فى كل المكان .. فى مشهد يأخذك بعيدا من اليقظة الى الأحلام
نعم .. لكن عجلات العربات التى يدفعونها تهرس أصابعى .. وقد أشبعونى وكزا ودفعا .. -
كان هناك أيضا بلال .. وكانوا يخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها إلى جهنم متوهجة -
ويطرحونه على حصاها وهو عريان ، ثم يأتون بحجر متسعر كالحميم ويضعونه فوق صدره ، ويصيح به جلادوه اذكر اللات والعزى .. فلا يرد بسوى أحد ..أحد
أريد أن ألمس الحجر الاسود .. لكنى أكاد أختنق من قلة الهواء .. والحر الشديد .. -
يكفيك الاشارة اليه .. فقد قال الرسول فى حجة الوداع " ايها الناس .. لاتقتلوا انفسكم " وذلك حين رمى -
الجمرات
أنهم يمرون فوق عنقى فى حجر اسماعيل .. فلا أكاد أستطيع التركيز .. -
اذكر فقط ان هذا المكان المقدس كان جزءا من الكعبة .. تخيل أنك الآن تصلى فى مكان سيدنا -
اسماعيل المفضل .. لو كانوا ضموه الى الكعبة كما كانت فى أصلها .. لظل مقفلا وحكرا على علية الناس .. ولما استطعت ان تصلى وكأنك داخل الكعبة ..
لكن هناك من يدوسونى حتى وانا اصلى .. -
هؤلاء فى واد آخر .. يعيشون فى ملكوت غريب .. هو مع الله .. ولايدرون مايفعلون .. -
هم فى حالة محمومة من العبادة .. ولن تجد قلبين متماثلين فى رمزية الوقوف بين يدى الله ..
وكلهم يسعى للخلاص .. والتطهّر ..
.. هل تخيلت أن تصل العولمة الى صحن الكعبة .. وان تتناول كنتاكى وهارديز فى الحرم ؟ -
بل الأغرب أن تصل كل الارزاق الى هؤلاء الذين يعيشون بواد غير ذى زرع .. -
وكل الثمرات الى حيث يقيمون من شتى بقاع الأرض .. تلك دعوة ابراهيم عليه السلام ..
طبعاً .. طفرة البترول التى فاقت الآفاق .. وقد تخطى البرميل حاجز المائة وعشرة دولارات .. -
لا يا سيدى .. مكة لو عاشت على الحج والعمرة دون أى شئ آخر .. فإن رزقها واسع -
.. وسيظل الى يوم الدين .. يكفيها المسجد الحرام .. بالمناسبة فإن سعر المتر فى مكة يناهز المليون ريال ..
الى هذا الحدّ؟ -
نعم .. بل يزيد فى بعض الأماكن .. -
ماعدت أشعر بقدماى من شدة الجهد والألم .. أوشك أن أجر ساقاى فى المسعى .. أو أزحف على -
الأرض ..
فإن رأيت ذلك الكهل بجوارك يسير الهوينا وقد تقوّس ظهره .. يتوكأ على عصاه .. وغيره -
تلك المسنة .. أتت من بلاد بعيدة .. بذنوب كثيرة ليغفر الله لها ..
والله أنى لأستحى .. فينكفئ بصرى الى الأرض .. ولااستطيع أن انطق .. -
فى حضرة الله وضيافته .... كأنك فى تجربة ليوم القيامة .. لاتسمع إلا همساً .. إلا من أذن الرحمن .. -
لكن كل شئ هنا يستفز احساسك .. ويخرجك عن شعورك .. كأن كل واحد أحتكر الدين لنفسه .. -
هنا دعوة مفتوحة للتحمّل والتسامح .. لاتملك سوى هذا .. فهذه هى بروتوكولات الشعائر هنا -
.. فلا رفث ولافسوق ولاجدال .. ومنذ قديم يعلم الله تلك النتيجة .. وهكذا أوصانا ..
أتأمل أفعال المسلمين فأجدهم يحتاجون الى توعية كبيرة وتنظيم .. بعض الترفق .. والانسانية -
.. خاصة بالعواجيز.. انها مهمة شاقة فعلا ..
كم من أمور نضطر اليها على مضض .. قد نأتى بها خوفا من كبير .. أو خجلا من موقف -
.. قد يمنعنا حياؤنا أحيانا من التحرر .. ونتحمل مشقة كبيرة لم نسعى اليها .. بل سعت الينا .. فكيف وانت فى ضيافة الرحمن ؟ ولماذا لانتحمل شيئا من أجله ؟
فى الروضة الشريفة هناك من يقرأ ربعا -
كاملا .. لاتهوية كافية بالمكان رغم المعمار الحديث
.. ولماذا لايتيح أحد لغيره فرصة ركعتين خفيفتين ؟
أرأيت أن كل واحد يعيش ملكوتاً خاصاً به ؟ -
بصعوبة بالغة قمت بالزيارة .. وسلمت على -
رسول الله .. وابى بكر وعمر رضى الله عنهم ..
هناك من يتمنى فقط الوصول لهذا المكان .. -
وربما لم يتح له العمر تلك الفرصة .. لايرى المقام لا صورة .. لكنك تعيش فيها .. الا تحس النعمة ؟
لكننى أفكر فى الهدايا والتذكارات والأهل .. والاصدقاء .. -
لابأس .. هى دنياك التى فيها معاشك .. وكما تأمل الفلاح فى سائر أعمالك .. -
ألا تقول فى الركن اليمانى .. "ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة " ؟
هل نعود مرة أخرى لدنيانا وننسى كل شئ ؟ -
أبدا .. فلأننا طبيعيون نفكر فى أنفسنا .. ونفكر فى غيرنا .. ولاخير فينا إن لم نفكر فى الآخرين -
.. " وابتغى فيما آتاك الله الدار الآخرة * ولاتنسى نصيبك من الدنيا "
هل أدعو لهم جميعا ؟ -
نعم .. -
من على ديننا ؟ -
ولكل الاديان .. ولكل المؤمنين.. ولكل محبى الخير على وجه الارض .. فكلهم مسلمون .. -
أدعو الله أن يتقبل منى .. وإن كنت مشوشا من كثرة الاعمال وظنى انى لم أؤدّ كل شئ كما ينبغى .. -
يتقبل إن شاء الله .. انما الاعمال بالنيات .. -
وكيف اتأكد من ذلك ؟ -
ليس هناك ضمان .. هناك دائما عمل كثير ينتظرك .. وفى الحديث سأل رجل -
رسول الله " مالإيمان يا رسول الله ؟ فقال : أن تكون ثقتك بما فى يد الله أكبر من ثقتك بما فى يدك
أترانى أعود انسانا آخر ؟ -
لا .. لن تكون سوى نفسك .. فلن تتحول ملاكاً اذا عدت .. لكنك فى فترة تأمل جميلة -
تستوثق فيها بنواحى الخير فى نفسك .. وتنظر الى الصورة من بعيد .. فتقترب منها وتنقيها مااستطعت
فإن لم استطع .. -
صدقنى إن الله يريد منك المحاولة المستمرة الصادقة .. فالله أجمل بكثير مما نتخيل .. -

بين الحلم .. واليقظة