Friday, September 26, 2008

كان الطقس باردا تتجمد معه الأوصال .. وعبثا حاولت ان انفخ فى يداى التماسا لبعض الدفء ..أو ادس بهما تحت أبطى .. فلا تدفأت يداى ولا استعدت نفسى المقطوع

هناك على شاطئ القناة الشرقى .. بالدفرسوار .. أرقب تلك القافلة من السفن وهى تتهادى على سطح الماء من كل الدنيا .. سيل منهمر لاينقطع وكأنها ارض عطشى ماصدقت ان ارتوت بالماء .. او كأن السفن كانت تنتظر سنوات طويلة عند مدخل القناة .. ثم مرت دفعة واحدة عند افتتاحها .. كانت التعليمات ان تستمر السفن فى المرور بلا توقف .. تارة من الشمال الى الجنوب .. وتارة من السويس الى الاسماعيلية

أما أنا .. فبالكاد اوصلتنى عربة جيب الى الشاطئ الشرقى فى اجازة ميدانية .. حيث تنقلنا القوارب المطاط الى الشاطئ الغربى .. ومن هناك تقلنى سيارة أخرى اذا كنت محظوظا الى ابو سلطان .. ثم أستقل تاكسي الى القاهرة .. وعلى القارب المطاطى ان يختلس الفرصة بين أسراب السفن اذا اتسعت المسافة بين اثنتين .. وهكذا يلعب الحظ دورا كبيرا فى عبورك بالعكس من الشرق للغرب

ليس هناك ماتستطيع فعله سوى الانتظار .. ذلك الذى استمر من الثامنة مساءا .. وحتى فجر اليوم التالى
أخيرا جاء الفرج .. ونزلنا القارب .. نحو عشرون من الضباط والجنود .. بعضهم فى اجازة .. والآخر فى شأن آخر
كان الجنود يجدفون بكل همة ليعبروا الفاصل قبل وصول السفينة .. تلك التى كلما اقتربت هيئ الينا ان جبلا يتحرك نحونا .. ليدهسنا جميعا

هى نفس الهمة والقوة التى عبروا فيها بالعكس .. فهم نفس الرجال ..لكنهم يؤدون واجبا آخر .. تأملت ذلك الجندى الصغير .. وكنت اسميه النيوترون .. وأتسائل .. هل كان ذلك الجندى البسيط يدرى وهو يجدف بمجدافه الصغير ليدفع بذلك القارب المطاطى المربع الغريب أنه بهذا العمل سيحقق العبور العظيم ؟ وسيتوحد العرب بسبب نجاحه للمرة الاولى فى العصر الحديث .. وستبدأ صدمات البترول .. لينفتح الستار عن عصر جديد برائحة النفط لتكون له الكلمة العليا .. وتولد الأوبك .. ويستحيل الخليج الى حياة جديدة تضئ النعمة والثراء الفاحش فى جنباتها ..وأوضاع اجتماعية انقلبت فأثرت على كل المنطقة

هل يدرى انه بسببه تغيرت فلسفة النقل عبر البحار الى السفن العملاقة والحاويات ؟ .. هل وهل ؟
هكذا تخيلت ما حدث كالانفجار الذرى الذى لازالت تبعاته وتداعياته ممتدة الى الآن .. ولازالت آثاره تحدد سياسات القوى العظمى وباقى التكتلات الى الآن .. كان نابليون يقول فتش عن المرأة .. ولكننى فى هذا العصرأقول فتش عن البترول .. وستجده الشبح الخفى وراء كل شئ .. دعك من أهازيج الديمقراطية وحقوق الانسان وكافة مشاكل العالم التى لاتعنى العالم الأول .. المصلحة المباشرة هى القاعدة

هذا الانشطار النووى الهائل فى عالم الاقتصاد والاجتماع والتكنولوجيا وغيرها .. يبدأ بنيوترون لايرى .. ينطلق .. فيفجر نواة اليورانيوم .. لتنطلق نيوترونات أخرى .. فتفجر سلسلة من الذرات ويستمر ذلك الانشطار فى سرعة فائقة
لهذا كنت اسمى ذلك الجندى الصغير .. نيوترون

وصلنا الى الشاطئ الغربى مع بزوغ شمس يوم آخر .. فرحت لرؤيتى العربة على الجانب الآخر .. وما أن رآنا السائق حتى بدأ فى ادارتها استعدادا للتحرك
لكنها لاتدور ..!! .. ويبدو انها هى الأخرى تيبست من البرد والصقيع .. رفع الكبود .. وبعد فحص سريع قال فى حسم " الابلاتين لدع " .. معنى ذلك أنه على كل واحد تدبير حاله بمعرفته .. هنا فقط .. ضاعت تلك الابتسامة التى حلمت معها برؤية اولادى هذا الصباح
كان على أن أسير لمسافة طويلة لأخرج من طريق المعاهدة .. الى حيث العربات غير العسكرية فالطريق مخصص للعمليات فقط
أثناعشر كيلومترا .. ليست بالمسافة الطويلة .. ذكرتنى بطوابير الضاحية بالكلية زمان .. ويبدو أن هذه احدى فوائدها .. وهناك وقفت على الطريق .. لأكثر من ساعتين فى انتظار اى دابة تمر من هنا
وبين الحلم والسراب رأيتها تسير على مهل .. تتهادى من بعيد .. عربة لورى رمادية يبدو انها من المجهود الحربى .. واقتربت .. اشرت لها فتوقفت .. كانت عربة زفت لاادرى الى اين هى ذاهبة

سألت السائق وكنت على استعداد لتسليم كل ماجيوبى ان هو انقذنى .. أبو سلطان؟ قال ايوه ياكابتن .. ركبت وكلى حذر من البهدلة المحيقة بى من كل صوب .. فآثار الزفت فى كل مكان .. وبعضه طال المقاعد
وبعد ساعتين كنت فى أبو سلطان .. لمحت تاكسى بالنفر يكاد ينطلق فجريت نحوه وانا اصيح استنى يااسطى .. ونسيت ورائى رجلا آخر يصيح من خلفى .. ياأستاذ .. ياحضرة
"قلت للسائق " دقيقة واحدة ادفع له فلوس

.. وأخيرا قفزت داخل التاكسى .. وصلت القاهرة حوالى الواحدة من بعد الظهر .. والبيت فى الثانية
أخيرا .. صارت الدنيا وردية مرة أخرى باحتضانى اطفالى .. وكان بابا أنيقا كعادته .. معطرا يهتم بشياكته
: الا أن لولو سألتنى

بابا .. ايه الاسود اللى فى البنطلون ده ؟ -


.. ة 18 ساعة للوصول

Friday, September 19, 2008

موعد وصول راضى من سفره فى احدى البلاد العربية جاء بعد الافطار
راضى هو زوج ابنتى الصغرى لولو .. نجح فى اقتناص ايام قليلة من رمضان ليرى زوجته وابنته ويعود فورا .. وأول ما وصل .. كان أول شئ عمله أن فتح حقيبته وأخرج الحلوى والشيكولاتة و الهدايا للاطفال لينا بنت دندن ولى لى ابنته

ومن بين الهدايا الجذابة عربة أطفال لعبة بالبيبى بتاعها .. لونها وردى آخاذ .. هدية إلى لى لى .. ولعبة أخرى هى صيد السمك عبارة عن سنارة بالماكينة وأيضا بالسمك بتاعها الى لينا .. فهى تناسبها لأنها الكبرى .. وكل هذه الهدايا هى من البلاستيك العظيم الذى يأتينا من سور الصين العظيم وبه أغرقت مصرنا الحبيبة بكل شئ من الهدايا حتى سجادة الصلاة والفوانيس

كانت دندن قد اشترت للينا ابنتها عربة اطفال منذ أيام .. وأيضا بالبيبى بتاعها .. وكانت لى لى ذات الربيع ونصف تحاول ان تشاركها فرحتها واللعب معها .. الا ان النرجسية الطفولية وحب الذات استولى عليها فلم تكن تسمح لها .. واذا حاولنا فان النتيجة هى صراخ متصل وغاغة تسمع التائهين .. وحرصا على بعض الهدوء فأننا نعيدها الى لينا مرة اخرى ونكتفى بصياح لى لى الأقل حدة حتى نتفرغ لجلسة السمر


وهكذا كان من النادر ان تسمح لها بهذه المتعة لأكثر من دقيقة أو دقيقتين فى محاولتنا الدؤوبة لتعليم فوائد التعاون وثماره .. مع بعض الزجر الذى كنت قليلا ما اشارك فيه .. لأن لى لى هى الصغرى .. وكما هى تقاليدنا ومفاهيمنا فان على الكبير دائما ان يتفهم .. لأن الثانى هو الاصغر .. والاكبر هو دائما الاوعى الذى يراعى .. حتى لو كان هذا الكبير لايتعدى الاربعة ربيعات

ولفض الاشتباك بينهما .. اقترحت لولو على راضى ان يشترى عربة أصغر لـ لى لى فيصبح لكل واحد عربته ويادار مادخلك شرّ .. ولكن حين فضت اللفافة الفضية وظهرت العربة الجديدة .. التمعت عينا لينا .. وزاد بريقها ونظرها لايفارق العربة الوردية .. فللجديد رونقه وبهجته

لكن لولو قالت طبعا لينا تلعب بيها .. مش كانت بتدى عربتها لـ لى لى تلعب بيها ؟
وبدا ذلك الحل توائما سلميا مناسبا على نفس الدرب الذى يعبر عن جمال التعاون وفوائده التى لاتنتهى ..والتى ليس اقلها ان كل واحد هايكون عنده لعب كتير لانه يلعب بحاجته وحاجة غيره

وبدأت لولو بالفعل تعطى العربة الجديدة للينا .. الا ان لينا بدت حذرة وهى تلمسها .. تدفع العربة الجديدة رويدا وهى متشككة فى هذا العرض .. ثم ذهبت وأتت بعربتها وكأنها تعلن .. أنا أيضا لدى واحدة .. وهى أكبر على أى حال

ماذا حدث ؟ هل تذكرَت انها لم تكن تسمح بهذا ؟ هل هو شعور بالخجل الداخلى أو التأنيب لما كان ؟ هذا ماتخيلته

الا انه ودون مقدمات انبرت لينا فصارت تعدد اللعب الذى اشتراها لها بابا أيضا .. هذا غير الذى فى البيت .. وايضا فى بيتهم فى تلك البلاد .. فهو ايضا مسافر .. ولايمكنه الحضور فى رمضان
وكمان بابا لما هاييجى هايجيب شيكولاتة كتير .. وهايجيب لـ لى لى كمان زى راضى
الجيل الجديد لايعترف بعمو واونكل .. واحيانا حتى لايعترف ببابا وماما .. فهم يتعاملون بالاسماء مباشرة .. لانه اكثر تحضرا من آباءه
اذن هذه لى لى ومعها لعبها .. وهذه أيضا لينا ومعها لعبها.. وقد بدأت الثلوج بينهما تذوب شيئا فشيئا

لكن هناك شئ ما فى الأفق .. حوّل عواطفى فى هذه اللحظات الى لينا .. وعندما لم تعاملها لى لى برفق وجدتنى لاشعوريا لست فى صفها .. بل كشرت لها .. مع انها الاصغر وكل الحجج الذى ذكرتها سابقا تقول ان المفروض اكون فى صفها
وتعجبت من هذا الترمومتر العاطفى العجيب الذى كان منذ ايام فلى صف لى لى .. لماذا ؟ .. وكيف تغير هكذا ببساطة ؟

كان هناك عنصر هام ناقص فى المعادلة .. هو الذى جعل الكفة تميل تجاه لينا .. هذا العنصر هو أنها تفتقد أباها الغائب فى تلك اللحظات .. وتستجلب من ذكرياتها معه بعض القوة التى لاتجدها الآن
احتضنتها بكل قوة وحنان وكأننى أقول لها أنا موجود حبيبتى الى حين قدوم بابا بالسلامة .. ربنا مايحرم طفل من ابيه
.. أعرف أن ميزاننا العاطفى يذهب الى الاضعف دائما .. ولايميل ابدا للأقوى
!! .. حتى لو كان معه الحق
شئ غريب .. لمجرد احساسنا بأنه قادر .. لانذهب اليه .. واحيانا لانسأل انفسنا لماذا .. هو كده وخلاص .. فى الرياضة .. فى العلاقات الاجتماعية .. فى رؤيانا السياسية وهكذا

تعجبت أيضا من الأدوار التى يحددها الله بعناية للأب والأم .. ورغم اننى عشت امارس ابوتى بعفوية وتلقائية .. الا ان هذا الموقف أحسسنى باهمية ودقة هذا الدور وانا أراقبه من الخارج .. وتذكرت قول أحد اساتذتى قديما .. أن الأم خارج البيت تقف فى الصف مع اولادها .. فيتسلم الاب العلم .. يقود السيارة ويسافر بهم .. ويختار لهم السكن ويحل مشكلاتهم فى المدارس وغيرها ويستخرج جميع الاوراق والوثائق لهم ولأمهم وهو على استعداد دائم لمحاربة العالم من اجلهم

أما فى البيت .. فان الاب يقف فى الصف مع اولاده .. وتتسلم الام القيادة.. فهى المسئولة عن طعامه وراحته ونظافته واناقته وأمانه النفسى .. تماما مثل اولاده ..

الحقيقة .. اعجبنى هذا التقسيم ..


بابا مهم برضه
..

Monday, September 15, 2008

عند اول نفق الشهيد أحمد حمدى .. من الشاطئ الشرقى .. وفى بدايات افتتاحه
كان تحت التجربة فى أول استخدامه يعمل فى اتجاه واحد .. أما الثانى فكان مخصصا لمرور عربات الاسعاف والاطفاء فى حالات الطوارئ
صف طويل من السيارات ينتظر دوره فى المرور .. ولابد من التفتيش للتأكد من سلامة السيارة .. الاطار الاحتياطى وملف العجل وقبل كل شئ طفاية الحريق

كنت بالسيارة الجيب والافرول الزيتى الذى يوضح اننى ضابط .. وبدا الطابور لاينتهى .. وهناك الأمناء من مرور سيناء يتولون هذا التفتيش .. كانت أيضا بدايات التطبيع بعد معاهدة السلام .. وكثير من هذه السيارات تأتى من تل أبيب فى رحلة سياحية للشباب وغيرهم يجوبون فيها سيناء .. ثم يعبرون النفق متوجهين الى القاهرة .. فيقضون بها أياما ويعودون

المشهد فى الشرق قبل تعمير سيناء هو صحراء مترامية .. ومدن .. وباستثناء القنطرة والعريش وابو رديس فهى ليست اكثر من أسماء تعرفها من لافتة ضالة علقها احدهم ليميز مقهى او مزرعة أو احد المبانى الحكومية المتناثرة فى الصحراء .. والتى تلونت فيها اشكال الناس بلون الصحراء الاصفر الذى تجف لرؤيته الحلوق .. ومع الوقت تجف أيضا النفوس والعقول إذن كل شئ بكر .. من الصعب ان تجد معه خدمة او غيرها .. والمأساة كل المأساة اذا تعطلت عربتك هناك .. لذلك تجد من يسير على الطريق ينهب الارض نهبا وكأنه يضمن من قوة الاندفاع وصولها بسلام حتى لو تعطل المحرك

أخيرا جاء الدور على .. كانت تتقدمنى سيارة لشاب وفتاة من تل أبيب .. هانت .. وبدأ التفتيش .. ولكننى لاحظت ان الوقت طال ولايزال هناك حديث مستمر بين جندى المرورالمصرى وهذا الشاب .. بينما وقفت الفتاة ساكنة لاتتكلم
نزلت استعلم ما الأمر ..
هو فى ايه ؟ .. -
يافندم العربية مافيهاش طفاية حريق .. -
طب ماتقول له .. -
باحاول اقوله مش فاهم .. بشاور له على اللى زيها .. مش فاهم برضه .. -
وجدتنى اقترب من الشاب فى هدوء .. وربما فهمت ان المشكلة هى اللغة .. فكلمة طفاية حريق هى من
Fire Extinguisher اسخف الكلمات فى اللغة الانجليزية
وفى لهجة فيها كياسة لاتخلو من صرامة فى نفس الوقت قلت له
هالو .. -
هالو .. -
(ارجو لكما رحلة ممتعة فى القاهرة .. (ابتسم قليلا وقال -
ولكن يبدو ان لدينا مشكلة هنا -
فى الحقيقة نعم .. فانت لايمكنك المرور بدون طفاية حريق .. تلك هى تعليمات الأمن والسلامة .. -
ولكننى جئت من هناك بدون طفاية .. -
هذا ما اتعجب له .. هلى يمكنك السير فى شوارع تل ابيب بدون طفاية .. -
لقد نسيتها .. -
انت محظوظ ان لم يوقفك احد فى الطريق لتفتيش الأمن والسلامة .. منذ خرجت من هناك .. -
هذا بالفعل ماحدث -
من المدهش ان رخصة قيادتك لازالت معك .. من المفروض أن تسحب منك هنا أيضا .. -
لا من فضلك .. انا اريد ان احل هذه المشكلة لاأزيدها تعقيدا .. -
أنا معى الاطار الاحتياطى والعدة وكل شئ حتى جراكن الماء والوقود
ولكن عند المرور فى الانفاق فالامر يختلف .. وطفاية الحريق اساسية .. -
والعمل ؟ -
ليس هناك غير حل واحد .. -
وماهو؟ -
البحث عن طفاية حريق فى احدى الورش بالمنطقة .. -
أين ؟ -
لو اتجهت قليلا الى الجنوب .. ليست بعيدة .. -
اليس هناك حل آخر ؟ -
اخشى انه ليس امامك سوى هذا .. -
أشكرك -
على الرحب -
ثم تركنى وادار سيارته ليتجه جنوبا .. ولكن جنوبا الى أين ؟ لاأدرى .. فانا لم اصادف طول طريقى شيئا ذا بال ينم عن حياة حقيقية فى
المنطقة .. فهكذا أهملنا سيناء لفترة طويلة جدا .. والطرق الرئيسية هى التى انشأها الانجليز قديما .. ثم معسكرات متناثرة

المهم انه لم يمر .. والاصرار على النظام المحكم الذى يطبق على الجميع بمنتهى الصرامة كان هو الذى يهتف بداخلى ..
هل هذا حقيقى ؟ .. أم اننى فى الواقع اردت تعقيد الأمر .. لاتسهيله .. وبشكل قانونى ؟ يبدو أن الأمر كذلك
لماذا ؟ لاادرى
فليس بجرّة قلم تذوب كراهية متبادلة دامت عشرات السنين .. تربينا عليها .. وكنا نرتوى من نهرها طول عمرنا
وليس بجرة قلم يصبح من كنت أطلق عليه الرصاص بالأمس صديق اليوم
وليس بجرة قلم آخذه بالاحضان ودم أخوتى الشهداء لا يزال عالقا بذاكرتى .. صحيح اننى انتصرت اليوم .. لكن سنوات الكراهية تحتاج لسنوات أطول لتتحول الى الحب .. وربما تحتاج قبلها الى سنوات من الشكّ .. لايعلم عددها الا الله

!! .. المهم انه لم يمرّ .. ثم جاء دورى أنا ومررت بسلام .. إلا أن سيارتى ليست بها طفاية حريق ..


أسف .. لااستطيع

Tuesday, September 9, 2008

فى أعماق الصعيد .. اسيوط .. "
ينزل تاجر غريب عن البلد .. معه بعض البضائع والاقمشة .. ويجالس الجميع على قهوة بلدى يدخن الجوزة ويشرب الشاى المرّ .. والفائق الحلاوة على مرارته .. هو من بحرى .. هكذا قدّم نفسه .. يجوب مدن قبلى و معه عينات كثيرة تلائم كل الاعمار والاذواق .. الحريمى قبل الرجالى .. والاولادى أيضا

استضافه العمدة فى استراحته لمدة يومين .. وعرّفه على أعيان القرية وبعض المعروفين من الشخصيات فى مجلسهم الذى يبدأ عادة بعد العصر .. ولايمتد كثيرا لما بعد العشاء .. فالقرية لاتملك ترف الانارة لما بعد صلاة المغرب بكثير

لكن القليل جدا من الاماكن كان يمكنها ذلك .. دوّار العمدة .. والقهوة .. وبعض المتميزين كشيخ الخفر ونظار الزراعة لدى الاعيان .. وحين يهمّ اليوم بالانتهاء يجلس الجميع .. ولايسرّى عنهم سوى الحكاوى والروايات.. وما يحكونه يعيدونه مرارا وتكرارا فلا هم ينوّعون أو يجددون فى سردها ولا يملّون .. وهى فى معظمها من وحى الخيال الذى يلفه صمت الليل الطويل فلا يقطعه الا صوت الذئاب والثعالب تعوى من بعيد فيلتصق الاطفال بامهاتهم .. او طلق نارى يدوى هنا أو هناك .. يطلقه الخفر من حين لآخر معلنين عن يقظتهم وحضورهم .. أو يطلقه آثم يغتال انتقاما .. وربما ثأرا .. ضاع فيه الكثيرون .. ومن بينهم عبد العال

عبد العال اختفى منذ يومين .. ويقال أن عطية قتله .. خلاف على من يروى ارضه اولا .. نعم الى هذا الحدّ يمكن ان يصل الغلّ فى صدر الانسان .. كان اذا فوجئ احدهما بالماء يذهب الى جاره .. سارع بتحويله الى ارضه

انتصار؟ ربما .. وهكذا يظل أهل الكفر يتندرون بما فعل حتى يجئ يوم فينتصر الآخر .. نوع من البطولات يصلح حكاية قصيرة تتنزع الآهات من الصدور فى مجالس الرجال .. والتأويز والسخرية فى مجالس النساء

الارض هناك لها معنى ووزن هو ابعد مما يتخيل أهل المدينة .. شئ متغلغل فى وجدان اهل الريف ربما اكثر قيمة من الولد .. فرعايتها هى بكل ما يؤتى من جهد .. وفداها هو بالروح .. كأنها الوجود .. ان ذهبت .. اصبح لامعنى للبقاء بعدها

وبسببها .. ضاع عبد العال .. اختفى .. ولاأثر له .. ولادليل .. رغم أن كل الشواهد تشير الى عطية
وفى احد المجالس .. تعرف تاجرنا على عطية .. فعرض عليه ماعنده .. ومن بينه كل ما يشد النساء والبنات من المناديل ابو ترتر للجلباب الساتان أبو شغل على صدره الى القميص الشفتشى
ماتتفضل تتعشى عندنا -
والله ياعطية عندى ميعاد مع الحاج عرفان -
حلفتك ياشيخ مانت جاى .. ده لو جماعتنا شافت الحاجات دى .. يمكن اشترى البيعة كلتها -
مانا قلت لك .. -
والنبى ماتكسر بخاطرى .. حلفتك بالغالى -
بس مش هاقعد كتير -
بخاطرك برضه .. -

ذهبا سويا .. يحمل شيلته الى حيث بيت عطية هناك فى اطراف البلد .. وبعد الإذن والدستور .. دخلا الى صحن الدار .. وجلسا على الأرض

وبدأ تاجرنا .. فسمى بالله وفتح اللفة الكبيرة .. وبدأ فى عرض ماعنده .. بادئا بالأكثر إثارة .. قميص نوم شفاف أحمر ذو افريز اسود رفيع .. فهذا ما يشعل حرارة الرجال .. وتبدو معه كل حواء فى قمة انوثتها

تلى ذلك المناديل .. والغوايش والحلقان .. وطواقى الصبيان وسراويلهم .. وبكل حنكة بائع محترف .. كان يخرج القطعة تلو الاخرى بعد ان تستنفذ الواحدة كل الخبط على الصدور والآهات الممكنة وقد التف افراد العائلة من حوله

لاحظ تاجرنا ان هناك آثار دخان تخرج من الفرن لشئ تم شيّه حديثا فسأل
شامم ريحة لحمة ياعطية ؟ -
ايوه .. ايوه امال ماحنا هانتعشى منه .. حدانا خبر سعيد .. اختى جابت ولد امبارح .. واحنا شوينا .. -

لم تكن الرائحة عادية .. فلا هى بالضأن .. ولا النيفة .. هناك أيضا باحد الاركان صف من الارغفة فوق بعضها .. لكن عددها كان مثيرا للانتباه .. شئ فوق العشرة .. والعادة ان الفلاحين يخبزون ولايشترون الخبز الا فيما ندر
ايه ده يا عطية .. انتوا ماتخبزوش ؟ -
أصل الدقيق خلص .. قلت اشترى عيش وانا راجع .. -
!! .. وبحركة عفوية كمن يعد تلك الارغفة مندهشا من عددها رفع تاجرنا الخبز .. ليجد فرفرا تحته
تلك اذن أداة الجريمة .. المسدس ..
ايه ده ياعطية ؟ -
ده .. ده الفرفر بتاعى .. -
انت عندك فرفر ؟ .. ومترخص ده ؟ -
ايوه طبعا .. -
جلس مرة اخرى .. ثم والكل مشغول بتقليب القماش .. مدّ يده الى داخل الفرن .. ولدهشته أخرج كفا آدمية
!!.. محروقة .. لكن سلاميات اصابعها كانت واضحة
تلبد الجو وتجمّد الجميع .. وتغيرت تقاسيم وجه عطية وزوجته متحفزين .. وصعق الاولاد من المنظر وانزوى كل فى ركن من الصدمة
ماتتحركش ياعطية .. لو اتحركت هاطخك زى مانت .. يبقى ده عبد العال بقى .. مش كده ؟ -
لا لا .. عبد العال مين ؟ -
انت عارف عبد العال مين .. -
فى نفس اللحظة .. كان خفيران بالخارج .. عندما علا صوت التاجر .. دخلا على الفور .. وقيدا عطية .. واقتاداه الى النقطة تمهيدا لترحيله غدا الى المركز لعرضه على النيابة بتهمة القتل عمدا مع سبق الاصرار والترصد ..
" فهكذا اجتمعت اركان الجريمة الثلاث.. الجثة .. والأداة .. والقصد الجنائى

من قصص والدى ضابط المباحث

Wednesday, September 3, 2008

فى مركز جميل قد لايعلم مكانه الكثيرون .. قررت دندن اقامة عيد ميلاد ابنتها
هكذا وسط الحدائق .. فى الهواء الطلق .. ودعت معظم الأقارب من العائلة والاصدقاء من
DJ ذوى الأطفال طبعا .. بالإضافة الى
ومجموعة مصاحبة تقوم بدور ميكى ماوس وبندق وبطوط ودبدوب بملابسها الأخّاذة لإحياء الحفل

هذا الى جانب الزينات المعلقة والبالونات ومعها المفرقعات اللازمة وكل ما يخرج صوتا جميلا .. أو زيطة لتعليم الأطفال فنا جديدا هو النشاز

بديع وجميل .. ومبتكر أيضا .. فشرط الحفلة ان تكون تنكرية .. فمن الاطفال من ارتدى فراشة والآخر ثعلبا وبعضهم زاد على ذلك فارتدى قرصانا وملابس ثقيلة وتقلد سيفا .. قَمال ينطلقون فى كل اتجاه ويملأون المكان بهجة وحيوية .. كما انه اقتصادى جدا لاتدفع فيه مبلغا كبيرا .. وبالتأكيد أفضل من ماكدونالد أو بيتزاهت الذى تدفع فيه كثيرا وتحصل قليلا علاوة على ضيق المكان

كما انك وحدك مع ضيوفك وسط الحدائق فلا تزعج من حولك ممن لايناسبهم الضجيج العالى .. والأطفال فى مكان آمن مفتوح ينطلقون بحرية ويطارد بعضهم بعضا بالمسدسات والحرب ايطاليا والزمامير وبخاخات البلاستيك

ومع تلك الملابس التنكرية بين بطة ووزة .. تكاد وجناتهم تبك حمرة فتزيدهم جمالا وحيوية .. ماكياج ربانى يزيدهم روعة وجاذبية .. ليس بسبب الرعاية الفائقة لهم .. ولكن لأننا فى عزّ يوليو .. والاحتفال يبدأ فى الخامسة ليناسب الاطفال فى جميع الاعمار

لااجدنى محتاجا لوصف مجموعة من الناس تشرّ عرقا فى هذا الحرّ الشديد .. ولاالماكياج السائح الذى لاسبيل لاصلاحه فى الهواء الطلق .. وحيث كان الجميع مندمجا فى اللقاء الجميل .. كنا نختلس دقائق معدودة الى قاعة السينما المصاحبة .. لا للدخول .. وانما قال يعنى نحن نتفقد هذا المكان المدهش لنتعرف عليه .. ونستطلع آخر عروض أفلام الكارتون وأسعار الدخول ومواعيد الحفلات
وفى الحقيقة أننا كنا نتخفف من الاحساس بالحرّ فى هذا المكان حيث التكييف والنسيم العليل لنعود مرة أخرى الى الجمع الكبير

وهكذا حتى بدأت الشمس فى الانكسار .. وبدا الجو فى الاعتدال .. وبدخول المغرب .. كان الطقس رائعا وحين أكتمل الضيوف بدأ الاحتفال .. وال دى جى وأغانى الأطفال المختارة بعناية .. وكل مامى تشجع ابنها أو أبنتها المرتجفة التى تقدم خطوة وتعود اثنتين على مصافحة ومداعبة ميكى ماوس العملاق .. أو ركوب الحصان العروسة

وشيئا فشيئا تعود الأطفال على تلك الشخصيات الجميلة فصنعوا دوائر تتمايل مع الأنغام بين ضحك وصراخ .. الأول للشجعان .. والثانى للخيفان .. والحقيقة أن هؤلاء الشخصيات الخمسة أسعدوا الأطفال كثيرا .. وأدوا عملا بمنتهى الجدية والاخلاص .. ولم يكلّوا من محاولة شدّ كل الأطفال الى الحلقة .. ونجحوا فى ذلك
الإيجار لمدة ساعة .. أمتدت الى ساعة ونصف .. يأتون بعربة ميكروباس فيها ال دى جى والسماعات والملابس التى يبدلونها فيظهرون بشخصيات مختلفة

كل هذا فى حرّ يوليو .. والملابس ثقيلة مع الرقص المتواصل وليست هناك سوى فتحة صغيرة لالتقاط الانفاس إذن .. ساعة ونصف بمائتين جنيه .. وهم خمسة أفراد .. يعنى كل فرد يخصه اربعون جنيها وهم يؤدون حفلتين فقط فى اليوم .. يعنى بحسبة بسيطة يحصل كل واحد على الفين جنيه شهريا اذا استثنينا الراحات الاسبوعية

سألت نفسى سؤالا ألحّ علىّ
ماهى القدرات والكفاءات المطلوبة لعمل كهذا ؟ شباب فى العشرينات .. معظمهم طلبة فى الجامعات أو حديثو التخرج
أن يحفظ بعض أغانى الأطفال .. ؟
أن يدرس بعض شخصيات ديزنى من خلال مشاهدة الكارتون أو قراءة مجلة ميكى ؟ كلنا يفعل ذلك
أن يداعب الأطفال وهم أجمل مخلوقات الله ويضحكون على أى شئ ؟ أم ماذا ؟

وتذكرت شابا جامعيا كان يأتى إلينا بعربة ربع نقل مجهزة لبيع الكشرى .. كان يستيقظ من الفجر .. ويعد هو وزوجته الأرز والعدس والتقلية والصلصة والعلب البلاستيك النظيفة والملاعق ومناديل الورق .. ويختار مكانه بعناية وسط أربعة مصانع كبيرة بالعاشر من رمضان .. بعيدا عن أى مصدر آخر للطعام


كانت وجبتنا الرئيسية منه .. وتقريبا كل المصنع والمصانع المجاورة كانت تأكل منه .. بل لااتعدى القول انه كان أجمل كشرى ممكن تاكله فى العاشر .. صنعة وطعم .. الآن صار لديه محل مشهور بالمدينة

وبينما جال هذا التساؤل بخاطرى .. حاولت أن أجد عذراً مقبولا لباقى الشباب الذين يعانون من البطالة
فلم أجد


هلا سعيت ؟