Sunday, November 16, 2008

.. نلت علقة ساخنة
.. وبالشماعة على قدميى
نعم أغلق أبى باب الحجرة .. وأوسعنى ضربا .. ورغم الألم الذى كادت تزهق له روحى .. وبكائى الذى لم ينقطع .. حرصت على عدم الصراخ

فأنا أعانى مرتين بهذه الصورة .. قد تفلت منى صرخة مكتومة .. لكن حرصى الاشد هو الا تسمعنى جدتى أو خالى وأنا أصرخ .. لو كانت أمى لأطلقت لنفسى كل صراخ الدنيا .. ولعلى استرحمها أيضا .. فهى أمى .. وهى الرحمة والملاذ .. أما غيرها فلا ..هكذا كانت تركيبة عقلى الطفولى وأنا فى العاشرة من عمرى

السبب اننى تقهقرت الى المرتبة السابعة عشرة على الفصل .. كنت لاأحب المدرسة وأنا فى الصف الرابع .. ولعلى فى الواقع كنت أكره حياتى بعيدا عن أمى واخوتى فى هذه السن .. فهم هناك بالصعيد .. وأنا هنا لأكمل شهادتى الابتدائية الفرنسية .. فقد نقل أبى الى الصعيد حيث لاتتوفر تلك المدارس .. وكان مهتما بأن يكمل مشوارا بدأه معى .. متوسما آمالا كثيرة فى المستقبل بهذه الشهادة
وكنت قد أكملت حتى الصف الثالث حينما كنا فى بورسعيد .. وبعدها .. اضطر لتركى وحيدا مع جدتى وخالى بشبرا لاستكمال هذا المشوار الغريب أنه نقل الى الصعيد بعد مشادة بينه وبين الحكمدار .. وكانت النتيجة ان انتقل البيت كله الى ابى قرقاص .. وأيا كانت الاسباب او مع من الحق .. فالحقيقة اننى أنا الذى دفعت الثمن .. وبالتأكيد أمى وربما اخوتى الصغار

المهم اننى فى آخر العام كنت مهددا بالرسوب .. وهذا مالاتحتمله أعصاب أبى ولاجيوبه أيضا .. فالمصروفات بالنسبة اليه عالية .. أغلبها يسددها بالقسط .. والسلف وكل وسائل التمويل الاجتماعى المعروفة وقتها وهو العائل الوحيد لأسرة بها أربعة أطفال .. لدى ثلاث ملاحق .. فى الرياضيات والعلوم والجغرافيا .. ولابد أن أجتازها قبل الانتقال للصف الأعلى .. يعنى فى سبتمبر القادم .. وفى

!! .. هذا الصيف بالذات كان أولاد عمتى يقضون الصيف عندنا بالصعيد

كلنا فى أعمار متقاربة .. أينا يقول للشقاوة قومى وأنا اقعد مطرحك .. ومين ده اللى يذاكر فى الاجازة وانا ماصدقت المدرسة خلصت .. تلك كانت تحتاج خطة لاقناعى بالمذاكرة فى الاجازة .. ولو على بسيط بمساعدة استاذ كشكول محنّك لاتخطى الملاحق بسلام وارحم ابى من عناء جديد

وتوصلوا اليها .. أستاذ عجوز للغة الفرنسية فى هذه البلدة .. كان من الأعيان .. لديه بيت كبير وحديقة غناء بها أشجار كثيرة وفواكه لاأنكر انها أسرتنى .. وكان أحلى ما فيها أشجار المامبوزيا الزرقاء .. شكلا .. ولونا .. وطعما
غير اننى لم يكن يكفينى هذا .. لابد أن يداعب شئ خيالى .. ويستحث قدرتى على الابداع .. فقد أقمت عالما خاص بى من الشمع السائح عند جدتى لاننى كنت وحيدا .. وذلك من آثار الزارات التى كانت تقيمها هناك .. والتى اتيت بنماذج منها الى بيتنا بالصعيد لالعب بها مع اخوتى وابناء عمتى
ولما حكيت كل ذلك لاستاذى الجديد أقنعنى بعمل راديو بكريستالة وبطارية
فجأة .. تحول انتباهى وكل حواسى الى ذلك العبقرى الذى سيقتلعنى الى عالم احبه
صحيح ؟ .. -
آه .. وهانسمع فيه موسيقى وأغانى .. -
والأخبار ؟ بابا بيحب الاخبار .. وأنا عاوز اوريه .. -
والأخبار كمان .. بس لازم نقرا شوية علوم ورياضة -
قلت بضيق شديد
تانى ؟ .. -
أمال نوصّل السلك ازاى ؟ .. ونحسب طوله ازاى .. ونوصله قبل الكريستالة والميكرفون -
ولا بعد الايريال
.. وأخيرا على مضض
... طيب زى بعضه .. -

كانت هذه هى الحيلة .. وكان هذا الرجل ذكيا فآرانى دوائر كثيرة لم أفهم منها شيئا .. ولكن كان كلى يقين انه سيعلمنى كيف أصنع راديو فى النهاية وهذا كفيل بتنويمى مغناطيسيا والانقياد للنهاية

كذلك كان يكافئنى بعدد من ثمرات المامبوزيا .. يوازى عدد الاجابات الصحيحة التى اصبتها .. وهكذا مرت الاجازة .. نصفها لعب .. والنصف الآخر مذاكرة بس ايه .. كنت اغيظ ولاد عمتى بعدد المامبوزيات التى حصلت عليها .. والتى كنت لاآكل واحدة منها قبل الوصول الى البيت طبعا .. وفى النهاية حينما يصعبوا علىّ .. كنت أعطيهم منها .. زى بعضه .. لكن ليس قبل انتهاء العرض الأول
فى النهاية لا عملت راديو ولايحزنون .. فقط ملأت بطنى بالمامبوزيا ولم أر الا دوائر غامضة وأقصى توصيلة عملناها هى لاضاءة لمبة صغيرة أوهمنى بانها لمبة الراديو .. التى اذا انارت .. وصل الارسال .. فهكذا كانت راديوهات زمان أضاءت اللمبة كثيرا .. ولم يصل الارسال أبدا

فى النهاية أيضا نجحت فى الملاحق الثلاثة .. وأرهقت كثيرا الى درجة المرض .. وفى وقت خشى فيه أبى من أن يضيع هذا المجهود كله .. الا ان الله سلّم

الغريب أن درجاتى كانت عالية فى الملاحق .. الى درجة أنهم اقترحوا أن آخذ سنتين فى سنة .. يعنى خمسة وستة مع بعض

كانت كلمة السرّ .. لو خدت السنتين مع بعض .. هاتيجى تقعد مع ماما
!! .. وأجتزت عامين فى عام واحد

قل ماما .. تنفتح لك الدنيا

Tuesday, November 11, 2008

طارت بى الموسيقى الى هناك .. حيث سيدنى هاربر .. الى حيث الطبيعة بجمالها الآخاذ .. بجبالها الممكسوة بالخضرة والاشجار التى تتوارى البيوت البعيدة خلفها .. والسماء الصافية المفتوحة لمن يريد ان يطير .. والبحر الهادئ المنطلق فلا يطوله البصر .. يتدثر بالازرق المتدرج من الفيروز الى النيلى .. وتتناثر عليه لآلئ من اشرعة بيضاء للمراكب ترسم دوائر بعيدة على صفحته

على الجانب الآخر بدأت فرقة راقصة فى تقديم عروضها .. كانت بروفة نهائية .. شباب وفتيات بعضهن متزوج حديثا .. يصطحب معه طفله الرضيع فى سلة رائعة يتبادلونها مع بعضهم البعض .. فيرقص الجميع .. بينما هو نائم فى سلام ربما على تلك الانغام .. فهى فقط لاتهدهده .. وانما تهيم بارواحنا الى عالم بعيد .. لانريد العودة منه

بعض الشيللوهات .. والفيولينات تنساب من اوتارها تلك الالحان المتدفقة التى تعلو رويدا رويدا لتملأ المكان
هل قلت تنساب ؟ .. أم تنزلق كما ينزلق الماء من بين أصابعها ..؟ هى قالت هذا وهى تهذب خصلات ابنتها يوم زفافها .. وتغنى لها غير مصدقة انها شبت عن الطوق فاضحت عروسا جميلة .. وهى التى منذ سنوات قليلة كانت تتعلق بيدها الى المدرسة

أم انها الجيتارات الصاخبة التى تملأ الدنيا روعة وضجيجا ؟
فانا اعرف نفسى .. احب ان استمع الى الموسيقى فى السماء المفتوحة .. والافضل ان تملأها الجيتارات .. فهى أجمل ما يحتويك وينشر البهجة والحيوية والأمل أيضا ..
وهكذا تمنحك مقامات الماجير تلك القوة الغريبة فتنهض من جلستك على الأرض أو السلم .. وتنفض سروالك وتدع عنك الدعة والكسل لتقفزفى الهواء
لست وحدك .. كل من حولك يملأوه نفس الشعور .. من أصغر صبى .. الى أكثرهم احتراما ووقارا .. لاتصدق إن قال .. انا ؟ لايمكن

لكنك قلت الجيتارات .. فهل سمعت أجمل من جيتارات الآبا ؟ .. بعد وقت طويل كنت أظن انهم اختفوا فلم اسمع عنهم كثيرا .. لكن كل الذين يعشقونهم اعادوهم مرة اخرى الى المسرح واخيرا فى ذلك الفيلم الرائع
Mamma Mia ..

كنا مجموعة من الاصدقاء المحببين الى قلبى .. ولم تكن المرة الأولى لمشاهدتى له .. فقد احببته كثيرا .. واحببت ان يراه كل من احبهم أيضا .. باختصار كانت دعوة لنعيش خارج الزمان ولو لوقت قصير

هل تنقلنا الموسيقى فجأة الى عالم غريب ؟ هل يمكن ان تكون سببا فى تغيير المصير ؟ أكاد اقول نعم .. فحينما بدأت حياتنا فى بيتنا الصغير .. كانت هى التى تنقلنى الى هناك بعيدا .. الى ابعد مايذهب اليه خيالك .. الى النصف الآخر من الكرة الارضية فكانت أول نبتة فى ارض طموحى .. واول طيف فى احلامى .. حلم الهجرة .. وبعد ان تحقق لازالت روحى الى الآن تنتمى الى هناك .. وتنتمى ايضا الى هؤلاء الذين يعيشون بارواحهم هناك

اقول .. انا لا اتخيل الحياة بدونها .. فهى الخيط الرفيع الذى يربطك بها فتظل روحك مزهرة .. حتى إن استحالت صحراء مجدبة لا تقدم الكثير .. وحتى لو اضحت ايامك بلا ألوان .. فالرحيل خارج الزمن هو المأوى .. وهو الذى تنسى معه من انت .. واين كنت .. فترتدى عباءة جديدة .. وتنتشى لوقت هو من احلى الاوقات .. فاذا انتهت الرحلة تخلع عباءتك .. وتعود اكثر اقبالا على الحياة .. فى انتظار رحلة أخرى

لاتقلق كثيرا ان فاتك هذا المركب .. فهناك ثانى وثالث .. يعبر بك الى الجانب الآخر .. كلهم يضحكون .. كلهم تركوا اعمارهم وهمومهم على هذا الشاطئ .. لينضموا الى القافلة

الطبيعة الخلابة والموسيقى التى تسحر الوجود وهؤلاء الناس الرائعين هناك ومن حولى صنعت ذلك المزيج فى خيالى .. وفى الواقع على ضفاف سيدنى احاول الانضمام لفرقة راقصة بموسيقاى .. وسرحت .. قال لى

اذن فقد طفت الكرة الارضية .. واتيت الى هنا .. لتنضم الى ذلك الفريق الاثيرى الذى تحبه ؟ -
هه ..؟ -

انتهى الفيلم .. ولايزال الناس جالسين .. ولا زالت قدماى لاتريد أن تغادر .. ليس انا فقط .. واصدقائى كذلك


Mamma Mia ..

Wednesday, November 5, 2008

فى الساعة الثامنة مساءا دق جرس التليفون فى بيتنا
باشمهندس شريف ممكن تشرفنا دلوقتى فى المكتب -
يادكتور .. دلوقتى صعب شوية .. -
فيه مانع ؟ -
الحقيقة أنا عندى السباك بيشتغل فى المطبخ والدنيا -
ملخبطة .. يمكن حضرتك سامع الدقّ والتكسير
طب ماتسيبه يشتغل وشرّفنا ساعة ولاحاجة .. -
السيد رئيس مجلس الادارة عايز يشوفك ..
المشكلة انى لوحدى فى الشقة .. ومش قادر -
اسيبه وانزل .. لو ممكن حضرتك آخد ميعاد تانى ؟
هاحاول .. بس بصراحة مش سهل آخد -
ميعاد تانى .. هو كان عاوز يشوفك دلوقتى ..
أنا آسف جدا .. مش عارف أعمل أيه .. -
عالعموم هابقى اتصل بيك لو فيه ميعاد تانى .. -

الموعد هو مقابلة شخصية فى الصراع المحموم للبحث عن وظيفة محترمة بعد عودتنا من استراليا .. والحقيقة اننى لم اكن وحدى بالمنزل .. كانت زوجتى موجودة .. وأذنها معى فى هذا الحديث .. وماكاد ينتهى حتى انهال على هذا الوابل
ايه الكلام الغريب ده ؟ -
فيه ايه ؟ -
مانزلتش ليه ؟ -
أنزل فين ؟ -
تروح تقابل الراجل .. -
هو كده ؟ فى أى وقت وأى مكان ؟ .. تعالى فى اى وقت .. -
روح فى اى وقت ..
أنت مجنون ؟ هى الناس دى ماوراهاش غيرك ؟ يمكن الراجل مشغول -
.. ماعندوش وقت تانى ..
والله لو عايزينى هايتصلوا تانى .. -
يا سلام .. الناس بتحفى عشان تلقى حاجة كويسة .. -
وانت تقول له السباك ؟ سباك ايه ما انا قاعدة أهو ..
ياستى أكيد هايتكلموا تانى .. -
ابقى قابلنى .. -
هو يعنى لو رحت خلاص خدت الوظيفة ؟ مايمكن ماعجبهمش .. -
يبقى عملنا اللى علينا .. الفرصة اللى بتيجى مش بترجع تانى .. -
الحاجات دى بتاعة ربنا .. خليها على الله .. -

لكنهم لم يتصلوا ولايحزنون .. وضاعت الوظيفة
كنت قاب قوسين أو أدنى لتقلد وظيفة رائعة فى تلك المدينة الجديدة .. وانتهت المنافسة الى اثنين .. أنا ومهندس آخر قوى هو الآخر فاز بالوظيفة

المدينة بعيدة صحيح .. لكن الوظيفة تستحق .. أنا نفسى لم أفهم لماذا كان هذا ردّى
هل هو لأنها كانت مفاجأة لم استعد لها نفسيا ؟ ربما .. لابد أن أعترف باننى أنزعج من المفاجآت .. لا .. ليس بالضبط .. فهناك الكثير من المواقف التى كنت فيها من أسرع الذين يقررون قرارا صائبا حين يلجم الموقف الكثيرين

حدث ذلك حينما اشتعل حريق بسبب الكهرباء فى معسكرى .. فصحت تلقائيا وأنا أهرول مع الجميع .. كله بالرمل .. كله بالرمل.. لانبهم الى خطورة الماء وقتها
حدث مرة أخرى حين تعثرت زوجتى وجرحت وكان على الذهاب بها الى المستشفى واستلزم ذلك جراحة بسيطة فى الوجه .. ثم فحص كسور فى مستشفى أخرى .. كل هذا يبدو عاديا .. يحدث فى كل يوم وأكثر منه .. لكن قبل سفرك للخارج بست ساعات .. وأن تنتهى من كل ذلك .. وتسافر فى الوقت المحدد ؟ فهذا يتطلب على الاقل اعصابا هادئة وسرعة

إذن لماذا ؟ هاتف غريب اعترانى وقتها بأن اؤجل هذه المقابلة وهكذا فعلت .. وضاعت تلك الفرصة .. غير اننى لست ممن يعتقدون فى أن الفرصة اذا ذهبت لاتعود .. ولكنى اقول .. بل يأتى ربما ماهو أحسن منها .. فالمولى يقول " كل يوم هو فى شأن" يعنى كل يوم فيه أمل جديد

بعدها عملت بوظيفة مماثلة فى شركة أخرى .. ولكن فى مدبنة قريبة .. وحمدت الله على ذلك
ولم تمض ثلاث شهور حتى فوجئنا بأن الشركة قد بيعت لمالك جديد .. وساورتنا شكوك كثيرة وقلق على وظائفنا .. فالمالك الجديد لايعجبه أحد بسهولة .. وهو يرمى للكمال والاناقة فى كل شئ حتى العمل
هكذا تمت الصفقة بين عشية وضحاها فى رحلة قصيرة بين القاهرة وجدة .. وكان علينا الانتظار لانغادر لأن صاحب الشركة الجديد يريد أن يتعرف علينا جميعا

ووصل بعد منتصف الليل .. وكان يمر معه المدير العام يقدم الناس اليه ويعرفه بهم .. وحين جاء دورى .. قال المدير
مهندس شريف .. مدير ادارة الجودة -
عارفه .. هو كان المفروض يبقى عندنا من فترة .. وآديه رجع لنا برضه -

عندى سباك ..