Saturday, December 27, 2008

فى حجرتى الخاصة بى بالصالحية .. اجلس الى مكتبى .. احاول ان الملم اوراقا كثيرة متفرقة لابحاث زوجتى .. ونتائج لدراسات خاصة بالماجستير الذى كانت تعد له

هذا الذى ربما كرست جهدى لاساعدها فيه .. فى الوقت الذى كان قد تم رفدى وشطب قيدى من الماجستير بجامعة القاهرة .. نظرا لغيابى المستمر وعدم تقدم رسالتى فى اتجاه البحث

لم يكن فى الامكان استكمال دراستى وانا ارى اولادى لخمسة أيام فى الشهر .. فهل يمكن ان تضيع
وانا الهث وراء المشرفين الذين لاتجدهم بالاساس .. فاذا وجدتهم لاتخرج منهم بشئ مفيد

هذا غير ان دراستها هى جزء اصيل من خطها الوظيفى كأحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة .. أما انا .. فدراستى بالفعل هى العلم للعلم .. وغير مؤثرة عدا على طريقتى فى التفكير .. والمنهج المنظم فى تناول الاشياء

وعودة الى هذا الجو الغريب الذى كنت أعمل فيه .. فى أحد ليالى الشتاء الباردة .. والرياح حول الحجرة اليتيمة تكاد تطيح بها .. غير ذلك السرسوب من الماء الذى يخر بكل تؤدة وانتظام من جوانب السقف الانترنيت الغير معزول جيدا .. وهو الذى أثر طبعا على توزيع الأثاث بحيث لايجوز ان يمس ايا من الحوائط .. وبالاخص السرير المفرد

الإضاءة أيضا شاحبة لولا مصباح الكيروسين الموضوع على يسارى والذى أقربه حتى ليوشك ان يقف على الورق نفسه .. غير البقعة التشكيلية الرائعة التى يرسمها الهباب المنبعث على سطح الحجرة .. غير الخيالات التى يرسمها اللهب المتراقص فتحس فى نفسك كأن جنيا معك يراقب ماتفعل

حجرة من سرير بعيد .. وشبه سجادة قديمة تعرى من الارض أكثر مما تغطى .. وحمام صغير ضيق .. وفى المقابل هناك مكتب يغطيه مفرش زاهى .. هو فى الاصل بطانية قديمة لم تعد تصلح للغطاء .. وكرسى .. ورف .. ومنضدة ملقى عليها بعض الاوراق الغير هامة فى معظمها .. موضوعة بعناية ومصفوفة بشكل منتظم كباقى الاشياء .. منظمة ونظيفة

وهذه الحجرة لها شباكين عريضين متقابلين .. لايتناسب حجمهما مع حجم الحجرة نفسها .. وربما كان ذلك لقلة قوالب الطوب .. مما اضطر الجندى المجند .. عم عزت البنا – وهو مهندس الانشاءات لدينا – الى تعديلات كثيرة من بنات افكاره ينفذها دون استشارة احد طبقا للمتاح .. فلا احد يفتح فمه .. فاذا لم يعجبنا .. تقرأ فى عينيه المثل المعروف .. اطبخى يا جارية .. كلف ياسيد

هكذا كنت اركز جهدى مساءا فى العمل الدؤوب .. فليس هناك شئ هام تقضى قيه المساء والليل غير مشاهدة التليفزيون .. او لعب الورق والشطرنج .. او الرياضة قبل حلول الظلام .. وكلها لاتنجز شيئا .. قلت أعمل شيئا مفيدا .. خاصة وأن الوقت دائما هو فى غير صالحك .. أو كأن ذلك هاجسى الأول .. فصار منهاجا لى وشريعة تحكم حياتى كلها

اذا فالجو العام يساعد على التركيز لولا تلك الرعدة التى تنتاب أوصالى والتى تجعل القلم لايستقر فى يدى .. فما بالك والمطلوب ان يكون كل شئ بلغة انجليزية سليمة توقيا من ألسنة شداد لآعضاء لجنة التحكيم فى المناقشة ؟!!

غير أننى احتاج الى طاقة غريبة تملاؤنى من جراء ذلك الوشّ الجميل المنتظم الهادئ الذى يخفت شيئا فشيئا .. حتى يكاد ينام فتنام معه لولا أن تفيق فتوقظه بنفسين جامدين .. فيصحو وينتشى ويملأ الغرفة حياة .. وجاز أيضا

نعم .. هو وابور الجاز .. فلكل منا رغبات غريبة .. وأشياء يحبها .. ربما كانت مذهلة للآخرين .. أعرف من يحب رائحة الاسيتون .. وآخر رائحة الكلة .. وفيهم بنات أيضا .. وعالم الروائح هو غامض غريب فيه مايشد اى انسان .. وربما يسكره أيضا

وفيما يعنينى .. كان وابور الجاز احد أهم أشياء أحبها فى حياتى .. ربما عاد ذلك الى الوراء قديما .. هناك فى أعماق القرى .. حين كانت أمى تريح رأسى على حجرها وهى فى المطبخ تطهو شيئا مع الآخرين .... فيسرى الدفء فى عروقى .. وأنام على ذلك الوش اللذيذ .. وتنقلنى الى سريرى حين أغط فى النوم

وهو أيضا الذى كان يجعلنى التصق بخطيبتى أثناء فترة الخطوبة الجميلة فنستدفئ به بينما قد يطال اللهب بعض جواربها .. لكن البرد كان حجة لطيفة .. وكان الوابور أفضل من الدفاية الكهرباء وأكفأ .. كما كان ذلك الوش يملاؤك بالشجاعة .. ويدارى الى حد كبير تلك التهتهة التى تنتاب المحبين عادة أثناء الحب الأخضر .. مع ان الكلام بعد ذلك صار ينساب بكل سهولة ويسر .. وبدون وابور ولايحزنون

وهو الذى اذا نظرت اليه .. توقدت كل مشاعر الحياة فى وجدانى .. ولعلى كنت اكتب أثنائها أحلى قصائد الحب والهيام .. وأكثر الرسائل المليئة بالوجد والحنين .. و اليأس والاحباط أيضا

أما رائحة الجاز .. فأينما طالت أنفى .. أثارت معى كل تلك الذكريات
السرّ .. لا أعرف .. تماما كما تقول لى مارأيك فى ماء من الثلاجة ؟ فاجيب .. بل أحلى منها عندى هو مية القلة القناوى فى العصارى .. بعد أن تكون تركتها لفترة وأوراق الليمون فى عنقها .. مغطاة بذلك التاج النحاسى البراق

مالذى أثار فى نفسى تلك الذكريات ؟
آه .. رائحة الجاز المتسربة من المنور لأحدهم يطش صلصة طماطم وأشياء أخرى
&
جاز ؟ .. أيوه جاز
&

Sunday, December 21, 2008

ايه يادندن لسه مانمتيش ؟ -
لا يابابا .. بس لازم أنام بسرعة دلوقتى .. -
بسرعة ليه ؟ -
الواجب خد وقت طويل جدا .. ومدام مشيرة -
عاوزاه بكرة
وخلصتيه .. -
آه .. بس أتأخرت قوى .. ولازم أنام قبل الساعة -
اتناشر
عشان تستريحى كفاية .. أكيد مدام مشيرة -
قالت لك كده
لأ .. مش كده .. -
أمال ايه ؟ -
عشان اليوجا -
ايه اليوجا دى ؟ -
دى الروح الشريرة .. بتيجى للاطفال اللى مش بيناموا قبل الساعة اتناشر -
مين قال لك كده ؟ -
أميرة صاحبتى .. -
وهى مين اللى قال لها كده ؟ -
كل اصحابى فى الفصل بيقولوا كده .. -
طيب حبيبتى .. نامى دلوقت .. لسه بدرى عالساعة اتناشر .. تصبحى على خير -
وانت من اهله -

ونامت دندن .. بل وغطت وجهها .. ربما كى لاترى هذه اليوجا اذا حدث وجاءت فعلا
علمت بعد ذلك أن أسمها الويجا .. وهى لعبة من ألعاب تحضير الأرواح السفلية التى تتنبأ بالمستقبل .. لكن هذه تختلف تماما عما يروجه الأطفال فى الصف الثالث الابتدائى بليسيه المعادى .. واندهشت كيف أن المدرسات لم ينتبهن الى ما يتداوله الاطفال ويذهب بهم خيالهم اليه
غير أن المدرسة كان من أجمل مافيها روح الصداقة التى يتآلف بها المدرسون والتلاميذ بحيث يبدو كل شئ شفافا فلا يخفى شئ عن أعينهم مهما بدا غريبا

كان أمامى حل من أثنين .. إما ان اتحدث الى أحدى المدرسات بالمدرسة واترك لها معالجة هذا الأمر .. فقط لازالة الرعب الذى يسكن عقول هؤلاء الصغار ويتسبب فى عدة أشياء
الأول .. أن الواجبات المكلفون بها طويلة جدا وتقتضى أن يتأخر الأولد فى نومهم .. ومع هذه الويجا التى ظهرت لهم فجأة فإن الواجب سيتم كروتته بالتأكيد قبل أن تدق الساعة الثانية عشرة
ثانيا .. الأرق و القلق من ترقب شئ مخيف .. فإن تغلبت على الأرق سيطاردك فى أحلامك
ثالثا .. تلك العقدة من شئ فى سن صغيرة والذى يستدعى وقتا طويلا حتى تنضبط الأمور فى عقولهم

والحل الثانى أن أتناول هذا الأمر بنفسى
أقول الحق .. ملت للثانى .. لأننى أعتبرت البناء الوجدانى لاولادى هو مسئوليتى المباشرة .. وهو مشروع مستمر ينبغى فيه أن نزيل كل التخاريف أولا بأول حتى يستقيم صحيحا لايشوبه شئ
تماما كما كانوا يعلمونهم أن الصيام الهدف منه هو الشعور بجوع الفقير .. وكنت أقول لهم هذا خطأ .. لأنه لو كان صحيحا لأعفى الله الفقراء من الصوم .. انما ذلك لأنه تكليف من الله .. وعلينا طاعته

فى اليوم التالى اتفقنا أنا ودندن – مع الرعب الشديد الذى انتابها مع هذا الاتفاق - أن ننتظر الويجا معا .. حتى الساعة اتناشر .. فاذا ظهرت فاننا سنعطيها حتة علقة حتى لاتجئ الينا مرة ثانية
وأعددنا كل الاسلحة الممكنة .. عصا وحبل حتى نربطها وحزام قديم أيضا
وعند الثانية عشرة بالضبط .. حاولت دندن أن تخفى نفسها تحت الغطاء .. سحبته برفق وأنا أقول
بابا معاكى أهو .. خايفة ليه -
أنام أحسن -
لأ .. هانستناها وبعدين ننام .. ( ثم مخاطبا الحائط ) ياللا ياست ويجا .. -
اتفضلى تعالى ورينا انت فين .. طبعا خايفة تيجى .. لأنك مش موجودة
.. لو كنت موجودة تعالى .. احنا مش خايفين منك
هاتيجى يابابا .. -
مش ممكن .. -
ليه ؟ -
لأنها مش موجودة .. مافيش حاجة اسمها ويجا .. وأميرة ضحكت عليكى ..شفتى -
.. اهى الساعة عدت اتناشر .. فين هى بقى .. وكمان هانقعد خمس دقايق ..برضه ماجاتش ..
ايه رأيك ؟
هى فين الويجا ؟ .. مافيش ويجا .. -
خلاص بكرة فى المدرسة قولى لأميرة أن قعدت مع بابا لحد الساعة اتناشر .. ومالقيناش ويجا -
.. وقولى لياسمين وكارولين وأسماء .. خلاص ؟
أيوه يابابا .. هاقولهم عشان مايخافوش .. -
تصبح على خير ياجميل .. -
ضحكت وقالت ..
وانت من اهله يابابا -

الويجا

Thursday, December 4, 2008

.. كل من أمسك بالقلم راودته فكرة كتابة رواية
كما راودته أحلام كثيرة فى أن يصبح روائيا مشهورا يوما ما .. ومثلى مثل غيرى كنت أفكر فى شئ .. أردته جديدا
مالجديد الممكن وقتها وقد كانت تلك الفترة فترة خصوبة أدبية؟ .. فترة أقام أعمدتها أساطين الأدب الذين كنا نسافر بخيالنا معهم الى ما فوق السحب .. وربما إلى أبعد من ذلك .. هؤلاء أمثال نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف السباعى وغيرهم
ربما اكتفت أحلامنا وقتها بأن نمثل الطبقة الثالثة أو الرابعة المغمورة التى تأمل فى أن ينفتح الباب لها ولو قليلا .. فحتى هذه تتطلب إضافة مختلفة على نحو ما .. وهكذا فكرت .. وبدأت أخطو أولى خطواتى فى قصة قصيرة

لم تكن القصة هدفا فى حد ذاته .. بل كان الهدف الحقيقى أن تكون أرضية مناسبة تصلح تمثيلية سهرة تليفزيونية .. ومنها أعبر الى شئ آخر اهم لدىّ من ذلك .. أن أعرض موسيقاى

دورة طويلة وبعيدة .. أعلم ذلك .. لكننى أخلصت لها .. وقلت حتى هذه ينبغى أن تضيف شيئا .. وهكذا جاءت أولى مؤلفاتى الأدبية التى لم ترى النور الى الآن

يمسك بالقلم مرة أخرى .. وأمامه أوراق كثيرة متناثرة على مكتب .. من الواضح ان هناك محاولات )
متكررة للكتابة ولكن القلم لايطاوعه فى كل مرة .. ينصت قليلا ريثما تلح عليه البداية وتكتمل صورتها فى ذهنه ، ويذهب ببصره بعيدا .. الى نهاية الغرفة تدخل اليه زوجته لتضع أمامه كوبا ً من الشاى فيومئ اليها برأسه شاكراً وهو لايريد أن ينطق .. ولايريد أن يخرج من سرحه هذا ، كأنما لو تكلم ضاع منه الموقف كله .. لكنها قالت مبتسمة
حاجة تانى ؟ .. -
لأ .. متشكر .. وأطرق بعينيه الى الأرض كأنه يقول " لو سمحتى .. سيبينى لوحدى -
شوية " .. وخرجت ..
أخيرا جاءته الفكرة .. واستطيبها .. قال فى نفسه .. هو كده .. وشرع يكتب

فى طريق هادئ على كورنيش النيل .. كانت تسير .. خطواتها مرتبكة .. غير واثقة هذه المرة .. فهى"
تعلم بأن هذا اللقاء سيكون ساخنا بلا شك .. وسيضع حداً ونهاية لكل شئ .. وتسائلت اذا كانت تلك النهاية قد رسمت إطارها وكأنها أمر محتوم .. فلماذا إذاً هذا اللقاء؟ .. لماذا لم يكتفى سامى بإرسال ورقة الطلاق اليها وينتهى كل شئ؟ .. لماذا يجب علىّ أن أعانى مرتين كالتلميذ الراسب الذى علم بنتيجته مسبقاً .. هل يجب عليه أن يتعذب فيرى نتيجته بنفسه؟
لعله يريد أن يتفق معى على ترتيبات معينة بخصوص هشام الصغير .. أكيد
.. ولكنه يعرف أن هشام سيبقى معى .. أمامه ثلاث سنوات حتى تنتهى فترة الحضانة
..وقبل أن ينتهى حوارها مع نفسها كانت قد وصلت الى أحد الكازينوهات على الشاطئ .. دخلت
" وكان ينتظرها وحده .. على مائدة هناك

قال لنفسه .. هكذا تكون البداية .. ساخنة .. ودخول مباشر فى عقدة الموضوع .. أما البداية .. صحيح .. كيف تكون البداية..؟
آه .. البداية فلاش باك .. نعم فلاش باك .. أعود بالقصة مرة أخرى لأحكى من البداية مالسبب الذى ادى بهما الى هذه النتيجة
لا لا .. هذا الفلاش باك غير معقول .. القضية ليست قضية طلاق بالدرجة الأولى .. لابد أن تكون البداية من لون القصة نفسها وليست غريبة عنها
نحى هذه البداية جانبا .. وأطرق يفكر من جديد .. وكتب ..

كانت تسير وحدها .. متأنقة كعادتها .. ترتدى سترة قصيرة وتضع يديها فى جيوبها وقد أحمرت وجنتاها"
قليلا من أثر النسيم البارد الذى يلفح وجهها فى بداية الشتاء
الجميع هجع الى اوكاره .. وآثر الدفء بالمنزل على الخروج .. فبدت الشوارع خالية تقريبا من الناس .. وأمام احد الاكشاك وقفت تبتاع شيئا .. وكأن من يراها يظن بأنها لاتكترث لشئ .. بينما داخلها آتون يعتمل .. يختفى تحت ذلك الستار الرقيق من النفس الهادئة
" والشخصية الواثقة .. ثم دخلت أحد المطاعم بالمدينة

قال لنفسه .. معقول .. وقد استعذب طريقة عرضه لهذه الشخصية .. قال .. هكذا هى حقيقة كل فنان .. وهى فنانة .. لابد أن يستمر داخلها هذا الآتون .. بينما لاينم خارجها عن شئ

ولكن الا ترى أن هذا الآتون قد تخرج منه أحد الالسنة فتظهر على السطح ؟
ان الفنان يشعر دائما بشوق شديد الى الحرية .. فكأنما تحيطه الأغلال من كل جانب .. وانما يتحرر فى حالة واحدة .. حين يخرج مابداخله .. فيعرفه الناس .. وقد يتهمونه بالجنون والبلاهة أولا .. ثم يحسون بصدق مشاعره .. ويؤمنون به .. وهنا يكون قد روى ظمأه

انما ليس بالضرورة أن يكون الفنان غريبا .. أو شاذا .. يمكنه ان يكون محترما ايضا
أو ليس يتوه فى عالم آخر ويندمج فيه حتى ينسى عالمه؟
بلى .. ولعله يفلت منه شئ .. دون قصد .. فيلتفت اليه الجميع .. وكأن أحدهم يقول " قفشتك" .. وشرع يكتب

وجلست الى مائدة .. ودون حديث مسموع الا موسيقى هادئة جميلة .. يقترب منها المضيف فتطلب كوبا"
من العصير .. فينصرف .. ويتركها وحدها تعيش مع الموسيقى .. وإذ تسمع أغنية تحبها .. تغنى معها فى صوت خافت .. ويعلو صوتها قليلا دون ان تدرى .. حتى تنتبه الى ذلك الجالس وحده الى مائدة مجاورة .. ينصت اليها وهو يبتسم .. فصوتها جميل فعلا .. وحين انتبهت انتابها الخجل .. فتوقفت عن الغناء .. وبالأخص وأن هناك من يضع أمامها ما طلبت
مالأمر ؟ .. هل تريد أن تغنى فى مكان وحدها ؟ يبدو انه كذلك .. ربما اتاح لها ذلك أن تعلو بصوتها ماشاءت
ولكن أين ؟ .. بالمنزل ؟ .. إن أشق ماعلى فنان هو تلك النظرات التى تحيط به وهو لايكف عن التكرار حتى يصل لاجمل ماعنده .. كأن الفنانين يجب أن ينعزلوا عن الدنيا
فإن رأيت أحدهم وهو يغنى بصوت عال .. ويندمج فى الغناء .. فانه لايقدر موقفه الا موسيقى يجلس وحده تحت شجرة ويصفر لحنا يدور بذهنه .. أو شاعر ينظر الى الشمس فى الافق .. ويتكرر على لسانه نصف بيت .. ينتظر أن يأتيه النصف الآخر
"أما وسط الناس .. فإن الأمر مخجل تماما

( قال لنفسه .. الى حد كبير نسجنا الخواطر والمشاعر الحقيقية لفنانة .. لابأس

الجديد فى هذا العمل انه يحكى مشاعر فنانة .. مشاعر حقيقية .. والمستوى الأعلى من ذلك .. يحكى أيضا كيف تتفاعل وتتداخل أحاسيس الكاتب المختلفة .. بل كيف تتنازعه بدايات مختلفة .. وانسجة درامية متنوعة حتى يكتمل معه البنيان فى النهاية

الحقيقة أن هذا العمل وصل الى مخرج بالقناة الثالثة وقتها .. وجزء منه انتهى منه سيناريست مشهور .. وتم الاتفاق مع بطلة التمثيلية .. بل لااتعدى القول ان قلت بأن هذا العمل كله صنع من أجل خاطرها

.. لكن هذا العمل لم يكتمل

أول رواية ..

Monday, December 1, 2008

كنا خمسة نركب جيب سى جى فايف .. فى معاونة فنية الى احد اللواءات
وبعد ان انتهينا من المرور على احدى الوحدات تحركنا على مهل من الرمل الى الطريق الاسفلت حتى نتحرك شمالا الى راس برانى بالمنطقة الغربية
كان اليوم عاصفا غريبا .. تنزلق فيه حبات الرمل على الزجاج الامامى بغزارة كأنه الماء على زجاج احد محلات الورود .. والرؤية متعذرة قليلا
لكنها مهمة لابد من الانتهاء منها .. حتى يكتمل تمام الاستعداد القتالى لهذا اللواء .. واقتربت عجلات السيارة من الطريق الاسفلت .. وماكادت حتى سمعنا دويا ضخما وكأنه انفجار قلب بنا السيارة للداخل عدة مرات حتى استقرت على جانبها الايسر .. وفوجئ الجالسون بالمقعد العرضى الأيمن بأنفسهم على حجور الجالسين على الأيسر .. ومن بعيد لمحنا عربة خزان ماء تجرى بكل سرعتها وتبتعد شمالا

خرجنا بصعوبة .. لنجد العربة مقطوعة بالسكين من فانوس الاضاءة الخلفى الايمن .. الى الكشاف
!! .. الامامى الايمن
يعنى لولا انقلبنا على الآخرين .. لهلك ثلاثة أفراد أنا من بينهم
وبينما نتشاهد ونحمد الله على السلامة .. وبعد ان هدأنا قليلا قلت ..
الحمد لله .. نكمل يا جماعة .. -
انفجروا فى ..
مأمورية ايه ؟ والله ماحنا مكملين .. ايه الشغلانة الشؤم دى -
ماحنا كده كده واقعة فى أرابيزنا .. -
مش هانعمل حاجة النهاردة .. نرجع نصلى ركعتين كده ونستهدى بالله .. -
وبكرة حتى يكون الجو اتعدل .. بدل ماهو زحل من اوله كده .. هم يعنى هايتحركوا بكرة ؟
وفعلا .. عدنا الى المعسكر .. هم مخضوضين .. وانا كما لو كنت سرقانى السكينة

.. كثيرة هى المرات التى رأيت فيها الموت وجها لوجه
أذكر فى يوم كنت ضابط عظيم رماية فى الهايكستب .. وهكذا كنت مسئولا عن ميدان رماية فى أحد التدريبات .. والانضباط فى هذه الميادين هى اعلى درجات الانضباط
فلا يتقدم صف قبل التأكد من خلاء منصة الضرب تماما ممن يسجلون اصابات الاهداف .. ثم يرقد الصف بأوامر .. ثم يعمرّ السلاح .. ثم يصوب ويبدأ الضرب عندما يكون جاهزا
بعد الضرب يفرغ السلاح ويخلغ الخزانة ثم ينهض .. ويبدأ المسجلون فى الحصر والتسجيل .. هذا فى البندقية .. أما فى مدفع الرشاش فليس هناك رقود .. الرماية بالتوجيه على الهدف واقفا .. وبعد الانتهاء .. لابد ان يكون السلاح مائلا .. وفوهته الى الأرض
وبينما كنت أمر من خلف احد صفوف الضباط .. وبحركة عفوية من احد الضباط رفع المدفع بدلا من امالته
!!.. وخرجت دفعة رصاص أمام وجهى
سارع المراقب فامال الرشاش الى الارض .. ونزع الخزانة .. وفرغ الاجزاء .. وبعد انتهاء الصف من الرماية أخذوه بعيدا
النظام فى ميدان الرماية يعادل حالة الحرب .. واقل مافى هذا الموقف هو محكمة عسكرية ..وهو ضابط احتياط .. ومحكمة عسكرية معناها ضرر شديد له قد يودى بمستقبله
أمرت بوضعه تحت التحفظ الى ان استدعيه
وفى تقريرى عن هذا اليوم .. لم أدرى .. كيف أذكر واقعة كهذه ؟ وكيف أعاقبه عقابا شديدا .. دون أن اؤثر على مستقبله وهو فى مقتبل عمره ؟
فلنفسه لابد ان يتعلم الالتزام الشديد بما يفعل .. لايزال شابا يافعا أمامه الكثير من المواقف التى تتطلب رباطة الجأش والحذر
وللآخرين .. لابد أن يكون درساً .. وعبرة أيضا
تركته عدة أيام فى خدمات متوالية .. كان أقسى ماعلى النفس فيها انه ظل خائفا مترقبا لايدرى مايفعل به .. وأنا أعرف من زملائه انه يكاد لا ينام .. مع كل الهواجس ومايرد الى سمعه من حالات مشابهة والاحكام المشددة التى تلتها
.. كنت أعلم ان هذا العقاب هو أشد من أى عقاب .. انتظار بلوى لاتدرى ابعادها
فى النهاية ذكرت ماحدث .. وكتبت انه حادث غير مقصود .. فخفف ذلك من الأمر كثيرا .. نسيت أيضا ان أقول بأن هذا الموقف كاد ان يودى بى شخصيا
مرّ ذلك الشريط كغيره مما كنت فيه قاب قوسين أو أدنى من نيل تأشيرة خروج الى السماء .. خارج الحياة والدنيا
.. وهناك فى خيمة قائد اللواء كنا نتسامر
ياسيادة القائد .. اللواء تقريبا مستعد قتاليا .. لكن طلبات رفع الكفاءة مبالغ فيها شوية -
.. مائتين غطا مشمع لمواسير المدافع طلب معقول .. لكن كمية النظارات البلاستيك المطلوبة للافراد كبيرة جدا
مش ممكن شوية يتكسروا يبقى عندى تعويض ؟ -
عالعموم هايتم توفير ذلك يمكن بكرة بالكتير .. -
وبعد كده .. هاطلب حاجات اكتر .. -
وتمام الاستعداد ؟ -
أنا القائد .. وانا اللى هدّى تمام الاستعداد للقيادة .. وده صعب تاخدوه منى .. -
بعد كل المجهود ده ؟ -
أنا عارف ان كفاءتى القتالية عالية جدا .. ممكن حدّ يفهمنى يعنى ايه مهمة اربعمائة كيلو فى الجنوب ؟ -
تروح فين .. وتعمل ايه ؟
دى مهمة من أجل التأمين .. -
تأمين أيه ؟ انتوا متخيلين انى ممكن ادى أمر بضرب النار على شقيق ؟ ازاى ؟ -
انا بعد كلى تاريخى العسكرى .. يتكتب فيه انى اديت اوامر بالضرب على اشقاء ؟ مش هاقدر .. انا حاربت كل الحروب .. والحمد لله عندى الاوسمة اللى تشهد على ذلك .. هناك .. كان ممكن .. بمنتهى الثبات والجدية وانت مطمئن تماما لعقيدك ومفاهيمك .. انما هنا ايه ؟
هنا برضه بعض التعديات .. -
آه .. يعنى اما اخوك الصغير يغلط فيك .. تقرصه من ودنه .. ولاتدبحه ؟ مش تقولوا كلام معقول ؟ -

وانصرف القائد الى لعبته المفضلة مع جنوده .. الكرة الطائرة

ذات مساء .. فى صحراء غرب البلاد
&