Sunday, July 6, 2008

فى أول يوم بمدرسة المتفوقين ..كلنا يجلس فى الفصل .. يقدم نفسه الى الاستاذ الرائد .. ليتعرف زملاؤه عليه .. وليتعرف الجميع على طبيعة الحياة والنظام فى المدرسة الجديدة .. بدءاً من أماكن النوم والحجرات الخاصة بالمذاكرة .. وأماكن الأنشطة المختلفة .. حجرة الموسيقى .. ومعرض الرسم والنحت .. والخطابة والشعر .. هذا غير أدوات الرياضة المختلفة .. لم يكن هناك جيم بالمعنى الحديث .. لكن كانت هناك حجرة التربية البدنية وبها
.. أدوات كمال الأجسام ورفع الأثقال

.. طبيعى أننى لم أكن أنتمى بأى حال للحجرة الأخيرة

المدرسة الجديدة التى كان زيها هو البليزر الكحلى ذو البادج المقصب والكرافات الرمادى الفاتح هى غير باقى المدارس .. ونظامها يختلف عما يجده زملائنا من خلق الله فى بقية المارس الأخرى
فمنهج سنة أولى .. يضاف اليه جزء من مقرر السنة الثالثة .. منهج اضافى .. فى الرياضة مثلا يضم المتواليات وحساب المثلثات والهندسة الفراغية مع مايشابهه من مقرر السنة الأولى
.. نصوص من العربى تضاف الى مقرر العربى
جزء الضوء والصوت يضاف الى مقرر الفيزياء
.. وأخيرا .. انجليزى الاستماع .. وهذه اسطوانات لأغانى منتقاة من موضوعات متنوعة ومختلفة ..
Though we've got to say goodbye for the summer من ضمنها
وغيرها .. وعليها تأتى الأسئلة فى الامتحانات مع باقى مقرر الانجليزى
أما فى السنة الثانية ..فيضاف باقى مقرر الثانوية العامة الى المناهج المختلفة

وماذا فى السنة الثالثة ؟
طول السنة تدريب وتمرينات مكثفة على الامتحانات النهائية .. فقد انتهينا من المقررات السنة الماضية .. تخيل انت مدى استعدادك لدخول أى امتحان بعد تلك الجرعة المكثفة .. أكيد ستمضغه بأسنانك
وعفوا لأن مدرسة المتفوقين لم يكن بها قسم أدبى فى ذلك الوقت .. ولاتسألنى لماذا فهذا سؤال لم أكتشف سره الى الآن

وبينما نحن بفصل أولى أول .. فى أول يوم هذا .. دخل الينا طالب صارم التقاسيم .. يحمل حقيبة كبيرة .. قالوا انه أول القطرين فى الابتدائية
أول القطرين فى أيامنا هو أول مصر وسوريا .. فقد كان مع والده معارا فى سوريا عندما صار أول القطرين .. ولما عاد الى مصر .. كان أول جنوب القاهرة والجمهورية كلها

بعد الحصة .. تعرفت عليه أنا وعاطف صديقى .. وسألناه .. فيها ايه الشنطة الكبيرة دى ..؟ ظنا منا أنها قد تحمل فطيرا أوحلوى أو شيئا من هذا القبيل .. لكنها كان بها نوعان من المحتويات فقط .. غيارات داخلية مرتبة بعناية فائقة .. وكتب كثيرة
!! .. قرأنا عناوين الكتب .. بابيت .. وماكبيث لشكسبير باللغتين العربية والانجليزية .. وأسماء أخرى لم نتبينها وقتها ..
هذه هى عقلية أول القطرين

وبدأت حرب الديوك بيننا جميعا .. واستمرت لثلاث سنوات .. فكان فينا الأول والثانى .. وكان فينا أيضا الأخير على الفصل .. وتخيل أنت عزيز قوم ذلّ .. طالب كان فى قومه أول المنطقة فى اعدادى .. يعنى الأول على آلاف فى محافظته .. ويشار اليه بالبنان .. أصبح ..
!! .. الأخير بقدرة قادر

اما أنا فبعد الشارة الزرقاء وسط مدرستى ومحافظتى غير الحضور الدائم فى محافل عيد العلم .. صرت و ماشاء الله السابع عشر ..والفصل كله اربعة وعشرون طالبا
" بعد أن كنت اتباهى أما والدى بأنى الأول دائما .. اصبح هو يواسينى ويقول لى " ياعبيط .. انت السبعتاشر على عباقرة الجمهورية
طبعا لم يكن يقنعنى هذا الكلام .. فأنا عندى الأول على معهد القطن هو أحسن وأفضل من أخير كلية الصيدلة .. الأول هو الأول أيا كانت دائرته .. بشرط ألا تكون لم ينجح منها أحد كما كنا نسمع زمان

كنت ولازلت أعتقد أن هذه التجربة فاشلة بكل المقاييس
فالتشكيلة الطبيعية للحياة فيها الممتاز والجيد جدا والمتوسط والضعيف .. وهكذا تقوم الدنيا أما أن تجمع كل المتميزين فى سلة واحدة فربما كسبت واحد أو اثنين من أول الصف .. ولكنك ستدمر الباقى كلهم
تداركت أميركا هذا فى قواعد وقوانين الهجرة مؤخرا .. إذ لايمكن أن يتكون مجتمع من الصفوة فقط .. والذين يتنصلون من باقى الأعمال .. فابتدعت فكرة الهجرة العشوائية .. وصارت تمنح خمسين ألف فيزا سنويا فى لوتارى الجرين كارد .. هكذا بدون شروط .. لأن تركيبة المجتمع لابد أن تشمل العمال والبسطاء والشغّيلة الى جانب المتخصصين والمتميزين

تستطيع فى أى وقت أن تستدعى مجموعة متميزة فى مشروع مهم أو ندوة .. ثم تدعهم يعودون الى مجتمعاتهم الطبيعية ليفيدوا باقى الناس .. أما وجودهم معا هو لايفيد أحدا ..لأنهم ليسوا فى حاجة الى بعضهم
المهم .. تذكرت تلك العقلية الفذة .. وتذكرت أيضا عقلية أخرى .. هى اسماعيل عريضة
واسماعيل كان فى السنة الثانية ونحن بالثالثة .. يعنى نسبقه بسنة واحدة .. وهذا الرجل – والطالب وقتها – هو أحد عباقرة هذا العصر فى الرياضيات .. وله نظريات منشورة عالمياً بإسمه

اسماعيل كان قد أتى على كل مناهج الرياضة التى فى المقررات والمكتبات منذ كان بالسنة الأولى .. فامتدت يده الى المراجع الاصلية وأصول النظريات .. ويبدو أن كل ذلك كان بالنسبة له لعب عيال .. فترك كل هذا وبدأ فى تحليل قواعد ونظريات التفاضل والتكامل عساه أن يجد شيئا ما لم نعرفه

ماذا كان يفعل عريضة ؟ ولىّ نفسه مسئولا عن تدريب سنة تالتة اللى هو احنا .. فى كل أفرع الرياضة .. وذلك حتى ندخل الامتحان وعضلاتنا الرياضية فى قمة لياقتها .. فنصيب الدرجات النهائية بأصابعنا
يجهز لنا امتحانا كاملا من تأليفه .. فى غاية الصعوبة .. شككت بعدها فى ميول سادية متأصلة لديه .. يستعذب فيها منظرنا البائس وعرقنا المتصبب ونحن شبه عاجزين عن حل معظمها .. ايه ده يا عريضة ؟ الكلام ده بعيد خالص عن المنهج ..
هكذا كنا نتحجج .. فكيف تعلل صفوة عقول مصر خيبتها وعدم قدرتها على حل نصف الامتحان حتى
وكل واحد منا اذا توصل لحل مسألة واحدة .. أو اكتشف حتى الطريق الى الحل كان يجرى الى عريضة خلسة ليثبت بينه وبين نفسه عبقرية لايراها غيره
ولكن للحق .. لاينكر أحد منا الايادى الطولى لهذا العالم العبقرى

ومرت السنوات .. ودخلنا نفس الكلية.. وتخرجنا .. وكما توقعنا جميعا فقد أصبح اسماعيل وفكرى علماءاً فى الرياضيات و الطبيعة
وفى يوم .. سألت بطيشة فى إحدى دعوات الروتارى على الافطار فى رمضان
هو اسماعيل عريضة فين ؟ -
فى أمريكا من زمان .. -
أمال فكرى الخواص فين ؟ -
فى اوكرانيا .. -
هو مش كان استقال واشتغل أستاذ فى جامعة ... ؟ -
أيوه .. -
وايه اللى وداه أوكرانيا .. -
بيعمل لهم قمر صناعى .. -
... -
&

أين هؤلاء ؟