Thursday, August 28, 2008

الاولاد .. يضعون الباروكات اليبضاء مثل لافوازييه بالضبط ..أو القضاة فى الزمن القديم .. والبنات يرتدين الفساتين الطويلة والقبعات التى لاتراها إلا فى البرارى .. ربما يرقصون فى الشوارع .. بلا اتفاق مسبق .. لكنهم حريصون على تقليد فنانى القرن الثامن عشر .. وفى يد كل منهم كونترباس او كمان .. أو لوحة فى برواز أنيق .. ويسيرون فى الشوارع بتلك الأثقال بكل فخر واعتزاز

هذه هى فيننا .. التى كنا على موعد معها لمدة 24 ساعة ترانزيت أنا وزملائى فى طريقنا الى أمريكا لاستكمال ماجستير إدارة الأعمال .. شباب جميل يشرح القلب .. يبيعون تذاكر الأوبرا على الأرصفة .. وبأى عملات .. وتذهب اليها راكباً عربة يجرها خيل أبيض كالسحاب فى سماء صافية لشتاء خرجت عليه الشمس .. فسرى الدفء فى أوصاله ..

الأوبرا نفسها .. آية فى الفن المعمارى القديم .. والمكان تكاد تتنسم معه رائحة شتراوس وهايدن وموتسارت وبيتهوفن .. غير أن الاوركسترا بالداخل كان هو المذهل حقا .. فهولاء يجيدون العزف على أى شئ .. نعم أى شئ
فقد سمعنا عزفا على انابيب الغاب الطبيعى .. والقطع المعدنية .. حتى المطرقة والسندان .. صدق أو لاتصدق .. كانت فقرة يطارد فيها حداد لصاً .. وهكذا جاء الريتم على المطرقة والسندان .. بايقاع سريع ممتع يصاحب القصة الطريفة

فى منتصف الليل .. سكون ترتعد له المفاصل وتصتك الاسنان .. وتعزف فيه الركب لعبة المطرقة والسندان .. وحمداً لله أن وجدنا آخر حافلة الى فندق سوفوتيل .. فقد كنا ستة بينهما فتاتان مما لايمكن معه أن تستقل تاكسياً الى هناك

فى صبيحة اليوم التالى كانت حنان قد حجزت لنا نزهة طويلة تبدأ بالتعرف على معالم فيننا .. وتنتهى بجلسة على ضفاف الدانوب لتناول الغذاء

!! .. إذن هذا هو الدانوب الذى تاه فيه شتراوس عشقاً
أضاءت فى خاطرى لوحتان .. الأولى لنيلنا العظيم .. والآخرى للدانوب .. الأولى أنشد فيه عبد الوهاب النهر الخالد .. وقال فيها محمود حسن اسماعيل

سمعت في شطك الجميل ماقالت الريح للنخيل
يسبح الطير ام يغني ويشرح الحب للخميل

والثانية خرج من عباءة سحرها الدانوب الأزرق ليوهان شتراوس .. منارتان للفن تتبارزان فى نفسى .. نفسى التى امتزج بداخلها بخور الشرق وغموضه ورائحة العود والحوريات من الجن والإنس .. بالغابات الرمادية والصخور السوداء والخضرة التى تغشى اللوحة كلها والماء ينحدر فى هذا الجدول .. أو هذا النهر

تظلا تعتملان فى نفسى .. تتحاوران وتلفان فى دائرة متقاربتين .. تتحين أحداهما هفوة للأخرى .. ولكن فى النهاية تفوز الأولى
هل لأنها أروع ؟ كلا فالثانية رائعة أيضا

اذن لماذا ..؟
ربما كان ذلك لأن الأولى تتغلغل فى كيانى واحساسى فتملاؤه رغم عشقى للثانية
ورغم الانتصار .. تعود الثانية لتنازل بثوب جديد .. وتستمر حيرتى

لكن الحقيقة هى أن نيلنا هو أجمل وأنقى وأكبر .. يبدو الثانى أشبه بترعة الاسماعيلية حيث الماء بنى المسحة من أثر الطمى به .. وربما كان نيلنا أقل طينة فبدا أكثر نقاءا .. هذا ما أحسسته للمرة الأولى التى رأيت فيه الدانوب

فى وسط الرحلة كنا فى بلازا بوسط البلد .. مكان قديم تجد فيه حصنا أو قلعة على اليسار .. وكنيسة على اليمين لازالت دارا للعبادة ولم تتحول بعد الى متحف أوأثر .. وعلى الجانبين وفى الازقة هناك حوانيت صغيرة متناثرة تبيع الهدايا والتذكارات .. ومقاهى كثيرة تشرب فيها كل ما شئت .. من عصير الفواكه الطازج الى البيرة والنبيذ .. وحيثما سرت .. تجد آثار ذلك على الأرض

وحان موعد صلاة الظهر .. واذا كان من السهل أن تتوضأ فى الحمام .. فأين تصلى ؟ غير أنه من المستحيل تقريبا أن تجد مكانا مناسبا للصلاة جلوساً .. بالإضافة الى أن الجو العام من حولك معبأ بالكحول .. فى الهواء وعلى الأرض

وجدت قدماى تسوقانى من سكات الى الكنيسة .. فأضعف الإيمان أنها نظيفة .. وساكنة وأساس العبادة الاطمئنان النفسى
دخلت .. كل فى حال .. لايهتم
وفى ركن هناك انتحيت جانباً .. وجلست على أحد المقاعد البعيدة
وصليت

أليست كلها بيوت الله ؟