Tuesday, September 9, 2008

فى أعماق الصعيد .. اسيوط .. "
ينزل تاجر غريب عن البلد .. معه بعض البضائع والاقمشة .. ويجالس الجميع على قهوة بلدى يدخن الجوزة ويشرب الشاى المرّ .. والفائق الحلاوة على مرارته .. هو من بحرى .. هكذا قدّم نفسه .. يجوب مدن قبلى و معه عينات كثيرة تلائم كل الاعمار والاذواق .. الحريمى قبل الرجالى .. والاولادى أيضا

استضافه العمدة فى استراحته لمدة يومين .. وعرّفه على أعيان القرية وبعض المعروفين من الشخصيات فى مجلسهم الذى يبدأ عادة بعد العصر .. ولايمتد كثيرا لما بعد العشاء .. فالقرية لاتملك ترف الانارة لما بعد صلاة المغرب بكثير

لكن القليل جدا من الاماكن كان يمكنها ذلك .. دوّار العمدة .. والقهوة .. وبعض المتميزين كشيخ الخفر ونظار الزراعة لدى الاعيان .. وحين يهمّ اليوم بالانتهاء يجلس الجميع .. ولايسرّى عنهم سوى الحكاوى والروايات.. وما يحكونه يعيدونه مرارا وتكرارا فلا هم ينوّعون أو يجددون فى سردها ولا يملّون .. وهى فى معظمها من وحى الخيال الذى يلفه صمت الليل الطويل فلا يقطعه الا صوت الذئاب والثعالب تعوى من بعيد فيلتصق الاطفال بامهاتهم .. او طلق نارى يدوى هنا أو هناك .. يطلقه الخفر من حين لآخر معلنين عن يقظتهم وحضورهم .. أو يطلقه آثم يغتال انتقاما .. وربما ثأرا .. ضاع فيه الكثيرون .. ومن بينهم عبد العال

عبد العال اختفى منذ يومين .. ويقال أن عطية قتله .. خلاف على من يروى ارضه اولا .. نعم الى هذا الحدّ يمكن ان يصل الغلّ فى صدر الانسان .. كان اذا فوجئ احدهما بالماء يذهب الى جاره .. سارع بتحويله الى ارضه

انتصار؟ ربما .. وهكذا يظل أهل الكفر يتندرون بما فعل حتى يجئ يوم فينتصر الآخر .. نوع من البطولات يصلح حكاية قصيرة تتنزع الآهات من الصدور فى مجالس الرجال .. والتأويز والسخرية فى مجالس النساء

الارض هناك لها معنى ووزن هو ابعد مما يتخيل أهل المدينة .. شئ متغلغل فى وجدان اهل الريف ربما اكثر قيمة من الولد .. فرعايتها هى بكل ما يؤتى من جهد .. وفداها هو بالروح .. كأنها الوجود .. ان ذهبت .. اصبح لامعنى للبقاء بعدها

وبسببها .. ضاع عبد العال .. اختفى .. ولاأثر له .. ولادليل .. رغم أن كل الشواهد تشير الى عطية
وفى احد المجالس .. تعرف تاجرنا على عطية .. فعرض عليه ماعنده .. ومن بينه كل ما يشد النساء والبنات من المناديل ابو ترتر للجلباب الساتان أبو شغل على صدره الى القميص الشفتشى
ماتتفضل تتعشى عندنا -
والله ياعطية عندى ميعاد مع الحاج عرفان -
حلفتك ياشيخ مانت جاى .. ده لو جماعتنا شافت الحاجات دى .. يمكن اشترى البيعة كلتها -
مانا قلت لك .. -
والنبى ماتكسر بخاطرى .. حلفتك بالغالى -
بس مش هاقعد كتير -
بخاطرك برضه .. -

ذهبا سويا .. يحمل شيلته الى حيث بيت عطية هناك فى اطراف البلد .. وبعد الإذن والدستور .. دخلا الى صحن الدار .. وجلسا على الأرض

وبدأ تاجرنا .. فسمى بالله وفتح اللفة الكبيرة .. وبدأ فى عرض ماعنده .. بادئا بالأكثر إثارة .. قميص نوم شفاف أحمر ذو افريز اسود رفيع .. فهذا ما يشعل حرارة الرجال .. وتبدو معه كل حواء فى قمة انوثتها

تلى ذلك المناديل .. والغوايش والحلقان .. وطواقى الصبيان وسراويلهم .. وبكل حنكة بائع محترف .. كان يخرج القطعة تلو الاخرى بعد ان تستنفذ الواحدة كل الخبط على الصدور والآهات الممكنة وقد التف افراد العائلة من حوله

لاحظ تاجرنا ان هناك آثار دخان تخرج من الفرن لشئ تم شيّه حديثا فسأل
شامم ريحة لحمة ياعطية ؟ -
ايوه .. ايوه امال ماحنا هانتعشى منه .. حدانا خبر سعيد .. اختى جابت ولد امبارح .. واحنا شوينا .. -

لم تكن الرائحة عادية .. فلا هى بالضأن .. ولا النيفة .. هناك أيضا باحد الاركان صف من الارغفة فوق بعضها .. لكن عددها كان مثيرا للانتباه .. شئ فوق العشرة .. والعادة ان الفلاحين يخبزون ولايشترون الخبز الا فيما ندر
ايه ده يا عطية .. انتوا ماتخبزوش ؟ -
أصل الدقيق خلص .. قلت اشترى عيش وانا راجع .. -
!! .. وبحركة عفوية كمن يعد تلك الارغفة مندهشا من عددها رفع تاجرنا الخبز .. ليجد فرفرا تحته
تلك اذن أداة الجريمة .. المسدس ..
ايه ده ياعطية ؟ -
ده .. ده الفرفر بتاعى .. -
انت عندك فرفر ؟ .. ومترخص ده ؟ -
ايوه طبعا .. -
جلس مرة اخرى .. ثم والكل مشغول بتقليب القماش .. مدّ يده الى داخل الفرن .. ولدهشته أخرج كفا آدمية
!!.. محروقة .. لكن سلاميات اصابعها كانت واضحة
تلبد الجو وتجمّد الجميع .. وتغيرت تقاسيم وجه عطية وزوجته متحفزين .. وصعق الاولاد من المنظر وانزوى كل فى ركن من الصدمة
ماتتحركش ياعطية .. لو اتحركت هاطخك زى مانت .. يبقى ده عبد العال بقى .. مش كده ؟ -
لا لا .. عبد العال مين ؟ -
انت عارف عبد العال مين .. -
فى نفس اللحظة .. كان خفيران بالخارج .. عندما علا صوت التاجر .. دخلا على الفور .. وقيدا عطية .. واقتاداه الى النقطة تمهيدا لترحيله غدا الى المركز لعرضه على النيابة بتهمة القتل عمدا مع سبق الاصرار والترصد ..
" فهكذا اجتمعت اركان الجريمة الثلاث.. الجثة .. والأداة .. والقصد الجنائى

من قصص والدى ضابط المباحث