Monday, September 15, 2008

عند اول نفق الشهيد أحمد حمدى .. من الشاطئ الشرقى .. وفى بدايات افتتاحه
كان تحت التجربة فى أول استخدامه يعمل فى اتجاه واحد .. أما الثانى فكان مخصصا لمرور عربات الاسعاف والاطفاء فى حالات الطوارئ
صف طويل من السيارات ينتظر دوره فى المرور .. ولابد من التفتيش للتأكد من سلامة السيارة .. الاطار الاحتياطى وملف العجل وقبل كل شئ طفاية الحريق

كنت بالسيارة الجيب والافرول الزيتى الذى يوضح اننى ضابط .. وبدا الطابور لاينتهى .. وهناك الأمناء من مرور سيناء يتولون هذا التفتيش .. كانت أيضا بدايات التطبيع بعد معاهدة السلام .. وكثير من هذه السيارات تأتى من تل أبيب فى رحلة سياحية للشباب وغيرهم يجوبون فيها سيناء .. ثم يعبرون النفق متوجهين الى القاهرة .. فيقضون بها أياما ويعودون

المشهد فى الشرق قبل تعمير سيناء هو صحراء مترامية .. ومدن .. وباستثناء القنطرة والعريش وابو رديس فهى ليست اكثر من أسماء تعرفها من لافتة ضالة علقها احدهم ليميز مقهى او مزرعة أو احد المبانى الحكومية المتناثرة فى الصحراء .. والتى تلونت فيها اشكال الناس بلون الصحراء الاصفر الذى تجف لرؤيته الحلوق .. ومع الوقت تجف أيضا النفوس والعقول إذن كل شئ بكر .. من الصعب ان تجد معه خدمة او غيرها .. والمأساة كل المأساة اذا تعطلت عربتك هناك .. لذلك تجد من يسير على الطريق ينهب الارض نهبا وكأنه يضمن من قوة الاندفاع وصولها بسلام حتى لو تعطل المحرك

أخيرا جاء الدور على .. كانت تتقدمنى سيارة لشاب وفتاة من تل أبيب .. هانت .. وبدأ التفتيش .. ولكننى لاحظت ان الوقت طال ولايزال هناك حديث مستمر بين جندى المرورالمصرى وهذا الشاب .. بينما وقفت الفتاة ساكنة لاتتكلم
نزلت استعلم ما الأمر ..
هو فى ايه ؟ .. -
يافندم العربية مافيهاش طفاية حريق .. -
طب ماتقول له .. -
باحاول اقوله مش فاهم .. بشاور له على اللى زيها .. مش فاهم برضه .. -
وجدتنى اقترب من الشاب فى هدوء .. وربما فهمت ان المشكلة هى اللغة .. فكلمة طفاية حريق هى من
Fire Extinguisher اسخف الكلمات فى اللغة الانجليزية
وفى لهجة فيها كياسة لاتخلو من صرامة فى نفس الوقت قلت له
هالو .. -
هالو .. -
(ارجو لكما رحلة ممتعة فى القاهرة .. (ابتسم قليلا وقال -
ولكن يبدو ان لدينا مشكلة هنا -
فى الحقيقة نعم .. فانت لايمكنك المرور بدون طفاية حريق .. تلك هى تعليمات الأمن والسلامة .. -
ولكننى جئت من هناك بدون طفاية .. -
هذا ما اتعجب له .. هلى يمكنك السير فى شوارع تل ابيب بدون طفاية .. -
لقد نسيتها .. -
انت محظوظ ان لم يوقفك احد فى الطريق لتفتيش الأمن والسلامة .. منذ خرجت من هناك .. -
هذا بالفعل ماحدث -
من المدهش ان رخصة قيادتك لازالت معك .. من المفروض أن تسحب منك هنا أيضا .. -
لا من فضلك .. انا اريد ان احل هذه المشكلة لاأزيدها تعقيدا .. -
أنا معى الاطار الاحتياطى والعدة وكل شئ حتى جراكن الماء والوقود
ولكن عند المرور فى الانفاق فالامر يختلف .. وطفاية الحريق اساسية .. -
والعمل ؟ -
ليس هناك غير حل واحد .. -
وماهو؟ -
البحث عن طفاية حريق فى احدى الورش بالمنطقة .. -
أين ؟ -
لو اتجهت قليلا الى الجنوب .. ليست بعيدة .. -
اليس هناك حل آخر ؟ -
اخشى انه ليس امامك سوى هذا .. -
أشكرك -
على الرحب -
ثم تركنى وادار سيارته ليتجه جنوبا .. ولكن جنوبا الى أين ؟ لاأدرى .. فانا لم اصادف طول طريقى شيئا ذا بال ينم عن حياة حقيقية فى
المنطقة .. فهكذا أهملنا سيناء لفترة طويلة جدا .. والطرق الرئيسية هى التى انشأها الانجليز قديما .. ثم معسكرات متناثرة

المهم انه لم يمر .. والاصرار على النظام المحكم الذى يطبق على الجميع بمنتهى الصرامة كان هو الذى يهتف بداخلى ..
هل هذا حقيقى ؟ .. أم اننى فى الواقع اردت تعقيد الأمر .. لاتسهيله .. وبشكل قانونى ؟ يبدو أن الأمر كذلك
لماذا ؟ لاادرى
فليس بجرّة قلم تذوب كراهية متبادلة دامت عشرات السنين .. تربينا عليها .. وكنا نرتوى من نهرها طول عمرنا
وليس بجرة قلم يصبح من كنت أطلق عليه الرصاص بالأمس صديق اليوم
وليس بجرة قلم آخذه بالاحضان ودم أخوتى الشهداء لا يزال عالقا بذاكرتى .. صحيح اننى انتصرت اليوم .. لكن سنوات الكراهية تحتاج لسنوات أطول لتتحول الى الحب .. وربما تحتاج قبلها الى سنوات من الشكّ .. لايعلم عددها الا الله

!! .. المهم انه لم يمرّ .. ثم جاء دورى أنا ومررت بسلام .. إلا أن سيارتى ليست بها طفاية حريق ..


أسف .. لااستطيع