Friday, September 26, 2008

كان الطقس باردا تتجمد معه الأوصال .. وعبثا حاولت ان انفخ فى يداى التماسا لبعض الدفء ..أو ادس بهما تحت أبطى .. فلا تدفأت يداى ولا استعدت نفسى المقطوع

هناك على شاطئ القناة الشرقى .. بالدفرسوار .. أرقب تلك القافلة من السفن وهى تتهادى على سطح الماء من كل الدنيا .. سيل منهمر لاينقطع وكأنها ارض عطشى ماصدقت ان ارتوت بالماء .. او كأن السفن كانت تنتظر سنوات طويلة عند مدخل القناة .. ثم مرت دفعة واحدة عند افتتاحها .. كانت التعليمات ان تستمر السفن فى المرور بلا توقف .. تارة من الشمال الى الجنوب .. وتارة من السويس الى الاسماعيلية

أما أنا .. فبالكاد اوصلتنى عربة جيب الى الشاطئ الشرقى فى اجازة ميدانية .. حيث تنقلنا القوارب المطاط الى الشاطئ الغربى .. ومن هناك تقلنى سيارة أخرى اذا كنت محظوظا الى ابو سلطان .. ثم أستقل تاكسي الى القاهرة .. وعلى القارب المطاطى ان يختلس الفرصة بين أسراب السفن اذا اتسعت المسافة بين اثنتين .. وهكذا يلعب الحظ دورا كبيرا فى عبورك بالعكس من الشرق للغرب

ليس هناك ماتستطيع فعله سوى الانتظار .. ذلك الذى استمر من الثامنة مساءا .. وحتى فجر اليوم التالى
أخيرا جاء الفرج .. ونزلنا القارب .. نحو عشرون من الضباط والجنود .. بعضهم فى اجازة .. والآخر فى شأن آخر
كان الجنود يجدفون بكل همة ليعبروا الفاصل قبل وصول السفينة .. تلك التى كلما اقتربت هيئ الينا ان جبلا يتحرك نحونا .. ليدهسنا جميعا

هى نفس الهمة والقوة التى عبروا فيها بالعكس .. فهم نفس الرجال ..لكنهم يؤدون واجبا آخر .. تأملت ذلك الجندى الصغير .. وكنت اسميه النيوترون .. وأتسائل .. هل كان ذلك الجندى البسيط يدرى وهو يجدف بمجدافه الصغير ليدفع بذلك القارب المطاطى المربع الغريب أنه بهذا العمل سيحقق العبور العظيم ؟ وسيتوحد العرب بسبب نجاحه للمرة الاولى فى العصر الحديث .. وستبدأ صدمات البترول .. لينفتح الستار عن عصر جديد برائحة النفط لتكون له الكلمة العليا .. وتولد الأوبك .. ويستحيل الخليج الى حياة جديدة تضئ النعمة والثراء الفاحش فى جنباتها ..وأوضاع اجتماعية انقلبت فأثرت على كل المنطقة

هل يدرى انه بسببه تغيرت فلسفة النقل عبر البحار الى السفن العملاقة والحاويات ؟ .. هل وهل ؟
هكذا تخيلت ما حدث كالانفجار الذرى الذى لازالت تبعاته وتداعياته ممتدة الى الآن .. ولازالت آثاره تحدد سياسات القوى العظمى وباقى التكتلات الى الآن .. كان نابليون يقول فتش عن المرأة .. ولكننى فى هذا العصرأقول فتش عن البترول .. وستجده الشبح الخفى وراء كل شئ .. دعك من أهازيج الديمقراطية وحقوق الانسان وكافة مشاكل العالم التى لاتعنى العالم الأول .. المصلحة المباشرة هى القاعدة

هذا الانشطار النووى الهائل فى عالم الاقتصاد والاجتماع والتكنولوجيا وغيرها .. يبدأ بنيوترون لايرى .. ينطلق .. فيفجر نواة اليورانيوم .. لتنطلق نيوترونات أخرى .. فتفجر سلسلة من الذرات ويستمر ذلك الانشطار فى سرعة فائقة
لهذا كنت اسمى ذلك الجندى الصغير .. نيوترون

وصلنا الى الشاطئ الغربى مع بزوغ شمس يوم آخر .. فرحت لرؤيتى العربة على الجانب الآخر .. وما أن رآنا السائق حتى بدأ فى ادارتها استعدادا للتحرك
لكنها لاتدور ..!! .. ويبدو انها هى الأخرى تيبست من البرد والصقيع .. رفع الكبود .. وبعد فحص سريع قال فى حسم " الابلاتين لدع " .. معنى ذلك أنه على كل واحد تدبير حاله بمعرفته .. هنا فقط .. ضاعت تلك الابتسامة التى حلمت معها برؤية اولادى هذا الصباح
كان على أن أسير لمسافة طويلة لأخرج من طريق المعاهدة .. الى حيث العربات غير العسكرية فالطريق مخصص للعمليات فقط
أثناعشر كيلومترا .. ليست بالمسافة الطويلة .. ذكرتنى بطوابير الضاحية بالكلية زمان .. ويبدو أن هذه احدى فوائدها .. وهناك وقفت على الطريق .. لأكثر من ساعتين فى انتظار اى دابة تمر من هنا
وبين الحلم والسراب رأيتها تسير على مهل .. تتهادى من بعيد .. عربة لورى رمادية يبدو انها من المجهود الحربى .. واقتربت .. اشرت لها فتوقفت .. كانت عربة زفت لاادرى الى اين هى ذاهبة

سألت السائق وكنت على استعداد لتسليم كل ماجيوبى ان هو انقذنى .. أبو سلطان؟ قال ايوه ياكابتن .. ركبت وكلى حذر من البهدلة المحيقة بى من كل صوب .. فآثار الزفت فى كل مكان .. وبعضه طال المقاعد
وبعد ساعتين كنت فى أبو سلطان .. لمحت تاكسى بالنفر يكاد ينطلق فجريت نحوه وانا اصيح استنى يااسطى .. ونسيت ورائى رجلا آخر يصيح من خلفى .. ياأستاذ .. ياحضرة
"قلت للسائق " دقيقة واحدة ادفع له فلوس

.. وأخيرا قفزت داخل التاكسى .. وصلت القاهرة حوالى الواحدة من بعد الظهر .. والبيت فى الثانية
أخيرا .. صارت الدنيا وردية مرة أخرى باحتضانى اطفالى .. وكان بابا أنيقا كعادته .. معطرا يهتم بشياكته
: الا أن لولو سألتنى

بابا .. ايه الاسود اللى فى البنطلون ده ؟ -


.. ة 18 ساعة للوصول