Saturday, December 27, 2008

فى حجرتى الخاصة بى بالصالحية .. اجلس الى مكتبى .. احاول ان الملم اوراقا كثيرة متفرقة لابحاث زوجتى .. ونتائج لدراسات خاصة بالماجستير الذى كانت تعد له

هذا الذى ربما كرست جهدى لاساعدها فيه .. فى الوقت الذى كان قد تم رفدى وشطب قيدى من الماجستير بجامعة القاهرة .. نظرا لغيابى المستمر وعدم تقدم رسالتى فى اتجاه البحث

لم يكن فى الامكان استكمال دراستى وانا ارى اولادى لخمسة أيام فى الشهر .. فهل يمكن ان تضيع
وانا الهث وراء المشرفين الذين لاتجدهم بالاساس .. فاذا وجدتهم لاتخرج منهم بشئ مفيد

هذا غير ان دراستها هى جزء اصيل من خطها الوظيفى كأحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة .. أما انا .. فدراستى بالفعل هى العلم للعلم .. وغير مؤثرة عدا على طريقتى فى التفكير .. والمنهج المنظم فى تناول الاشياء

وعودة الى هذا الجو الغريب الذى كنت أعمل فيه .. فى أحد ليالى الشتاء الباردة .. والرياح حول الحجرة اليتيمة تكاد تطيح بها .. غير ذلك السرسوب من الماء الذى يخر بكل تؤدة وانتظام من جوانب السقف الانترنيت الغير معزول جيدا .. وهو الذى أثر طبعا على توزيع الأثاث بحيث لايجوز ان يمس ايا من الحوائط .. وبالاخص السرير المفرد

الإضاءة أيضا شاحبة لولا مصباح الكيروسين الموضوع على يسارى والذى أقربه حتى ليوشك ان يقف على الورق نفسه .. غير البقعة التشكيلية الرائعة التى يرسمها الهباب المنبعث على سطح الحجرة .. غير الخيالات التى يرسمها اللهب المتراقص فتحس فى نفسك كأن جنيا معك يراقب ماتفعل

حجرة من سرير بعيد .. وشبه سجادة قديمة تعرى من الارض أكثر مما تغطى .. وحمام صغير ضيق .. وفى المقابل هناك مكتب يغطيه مفرش زاهى .. هو فى الاصل بطانية قديمة لم تعد تصلح للغطاء .. وكرسى .. ورف .. ومنضدة ملقى عليها بعض الاوراق الغير هامة فى معظمها .. موضوعة بعناية ومصفوفة بشكل منتظم كباقى الاشياء .. منظمة ونظيفة

وهذه الحجرة لها شباكين عريضين متقابلين .. لايتناسب حجمهما مع حجم الحجرة نفسها .. وربما كان ذلك لقلة قوالب الطوب .. مما اضطر الجندى المجند .. عم عزت البنا – وهو مهندس الانشاءات لدينا – الى تعديلات كثيرة من بنات افكاره ينفذها دون استشارة احد طبقا للمتاح .. فلا احد يفتح فمه .. فاذا لم يعجبنا .. تقرأ فى عينيه المثل المعروف .. اطبخى يا جارية .. كلف ياسيد

هكذا كنت اركز جهدى مساءا فى العمل الدؤوب .. فليس هناك شئ هام تقضى قيه المساء والليل غير مشاهدة التليفزيون .. او لعب الورق والشطرنج .. او الرياضة قبل حلول الظلام .. وكلها لاتنجز شيئا .. قلت أعمل شيئا مفيدا .. خاصة وأن الوقت دائما هو فى غير صالحك .. أو كأن ذلك هاجسى الأول .. فصار منهاجا لى وشريعة تحكم حياتى كلها

اذا فالجو العام يساعد على التركيز لولا تلك الرعدة التى تنتاب أوصالى والتى تجعل القلم لايستقر فى يدى .. فما بالك والمطلوب ان يكون كل شئ بلغة انجليزية سليمة توقيا من ألسنة شداد لآعضاء لجنة التحكيم فى المناقشة ؟!!

غير أننى احتاج الى طاقة غريبة تملاؤنى من جراء ذلك الوشّ الجميل المنتظم الهادئ الذى يخفت شيئا فشيئا .. حتى يكاد ينام فتنام معه لولا أن تفيق فتوقظه بنفسين جامدين .. فيصحو وينتشى ويملأ الغرفة حياة .. وجاز أيضا

نعم .. هو وابور الجاز .. فلكل منا رغبات غريبة .. وأشياء يحبها .. ربما كانت مذهلة للآخرين .. أعرف من يحب رائحة الاسيتون .. وآخر رائحة الكلة .. وفيهم بنات أيضا .. وعالم الروائح هو غامض غريب فيه مايشد اى انسان .. وربما يسكره أيضا

وفيما يعنينى .. كان وابور الجاز احد أهم أشياء أحبها فى حياتى .. ربما عاد ذلك الى الوراء قديما .. هناك فى أعماق القرى .. حين كانت أمى تريح رأسى على حجرها وهى فى المطبخ تطهو شيئا مع الآخرين .... فيسرى الدفء فى عروقى .. وأنام على ذلك الوش اللذيذ .. وتنقلنى الى سريرى حين أغط فى النوم

وهو أيضا الذى كان يجعلنى التصق بخطيبتى أثناء فترة الخطوبة الجميلة فنستدفئ به بينما قد يطال اللهب بعض جواربها .. لكن البرد كان حجة لطيفة .. وكان الوابور أفضل من الدفاية الكهرباء وأكفأ .. كما كان ذلك الوش يملاؤك بالشجاعة .. ويدارى الى حد كبير تلك التهتهة التى تنتاب المحبين عادة أثناء الحب الأخضر .. مع ان الكلام بعد ذلك صار ينساب بكل سهولة ويسر .. وبدون وابور ولايحزنون

وهو الذى اذا نظرت اليه .. توقدت كل مشاعر الحياة فى وجدانى .. ولعلى كنت اكتب أثنائها أحلى قصائد الحب والهيام .. وأكثر الرسائل المليئة بالوجد والحنين .. و اليأس والاحباط أيضا

أما رائحة الجاز .. فأينما طالت أنفى .. أثارت معى كل تلك الذكريات
السرّ .. لا أعرف .. تماما كما تقول لى مارأيك فى ماء من الثلاجة ؟ فاجيب .. بل أحلى منها عندى هو مية القلة القناوى فى العصارى .. بعد أن تكون تركتها لفترة وأوراق الليمون فى عنقها .. مغطاة بذلك التاج النحاسى البراق

مالذى أثار فى نفسى تلك الذكريات ؟
آه .. رائحة الجاز المتسربة من المنور لأحدهم يطش صلصة طماطم وأشياء أخرى
&
جاز ؟ .. أيوه جاز
&