Wednesday, May 20, 2009

.. حينما تسمع أذنك مايحلو لها .. لا ما يقال
.. وحينما ترى عيناك على مزاجها .. لا ما هو أمامها
وحينما تبدأ حواسك فى الانحسار عن الدنيا .. والانسحاب شيئا فشيئا مما حولك
وحينما يذهب شعرك فى أى اتجاه .. ماعدا أن يطاوعك تحت المشط
.. فأعلم بأنك كبرت كثيرا

وعندما كنا شبابا كنا نضحك من ماما اذا نادت على اسم منا باسم الآخر .. ومن بابا اذا قال كلمة بطريقة خاطئة لأنه فى الواقع سمعها كذلك

وكنا أيضا نضرب المثل بهؤلاء الكبار .. فنقول رجل فى الخمسين او الستين ويفعل كذا وكذا .. أو سيدة فى عمر الجدات وتفعل هذا

وكأن هؤلاء لابد أن يخرجوا من الحسابات الطبيعية التى بنيت عليها ثقافاتنا .. أو كأن ليس من حقهم أن يعيشوا كالآخرين يحبون ويمرحون ويستمتعون ويروحون ويجيئون

كذلك يفوت الشباب فى فورته أن الكبار لم يعودوا قادرين .. نفسيا وصحيا على القفز والتنطيط .. وما يستنكره للغرباء لايتخيل انه اصبح صعبا وربما مستحيلا أيضا على أقرب الناس اليه .. أبوه وأمه .. أو عمه أوخالته .. كما انه ما كان يمكن قديما .. اصبح عسيرا الآن
كما أنهم يتناسون أن هناك حدا للشبع .. يزهد بعده الانسان فى أشياء كثيرة .. كما لايقوى أيضا على الاستمرار .. ولن يجدى معه أن نقول " معقول ؟ ده انت لسه شباب ياراجل .. أو ياطنط فين الشباب والحيوية والشقاوة يتاعة زمان؟ " .. الحقيقة ان هذه بعدت كثيرا .. واصبح الميل معها للهدوء والدعة والبعد عن الصخب والزحمة مطلبا مستمرا

المؤلم فى الموضوع أن هناك أحكاما صدرت مسبقا .. وكأن هؤلاء لاحق لهم فى الحب والسعادة .. ولاحق لهم فى الاستمتاع بنعم الله التى احل لعباده

وسألت نفسى هل يكبر الانسان عمرا؟
فى اعتقادى أن عمر الانسان الحقيقى مرتبط بالقدرة على الابداع والفكر والعطاء .. وهى التى كلما كانت لاتزال تتمتع يحيويتها وتتدفق وتقدم الجديد .. فهى فى شباب دائم .. وهذا هو الشباب الحقيقى .. أما اذا تعطلت .. فهنا نقول .. هذا الانسان قد شاخ فعلا

وبناءا على هذا فهناك فى هذا الصدد شباب ولدوا شيوخا .. ليس من باب الحكمة .. وانما عاشوا مهمشين .. أتوا على الزمن وسقطوا منه دون أن يضيفوا شيئا .. وربما انتظروا كثيرا ليأخذوا .. ونسوا أنه حتى يأخذوا لابد أن ينطلقوا بروح العطاء .. فنحن لم نعرف أرضا طرحت شيئا قبل أن تحرث وتبذر

كما اعلم شيوخا لازالوا يعطون .. ولديهم ما يقدمونه .. فمالعمر ؟ .. رقم ؟ .. أم معنى لهذا الرقم .. قد يبدو الرقم صغيرا .. لكنه لايعنى شيئا .. وقد يبدو كبيرا أيضا ولايعنى شيئا

من ناحية أخرى .. هناك من انجز شيئا كثيرا فى وقت وجيز .. قد يكون قد ضحى بتعليمه ليتكسب .. أو من أجل أن يعين اسرته بعد والده .. حتى أكمل رسالة .. اذ ليس بالضرورة أن تبنى الهرم فى كل مرة .. وانما أن تفعل شيئا مفيدا باستمرار

قال لى مهندس صديق عزيز لدى
ياشريف تعالى نشوف فى عشر سنين انت عملت ايه وانا عملت ايه .. انا علمت نفسى كويس .. -
واول مابدأ القطاع الخاص أشتغلت فى شركتين من أكبر شركات مصر .. واستقلت من القطاع العام
بيكفى انك غامرت بمركز مأمون عشان تجرب .. وربنا وفقك وبقيت فى منصب أعلى ودخل أكبر -
ده صحيح .. لكن انت خرجت من الجيش .. وسافرت الخليج واشتغلت هناك .. وبعدين خدت ولادك -
وهاجرت .. وكمان اتعلمت آخر حاجة هناك وماكانتش مصر سمعت عنها .. وبعدين رجعت ..
كذا مكان يحبوا انك تشتغل معاهم .. ومسكت منصب أكبر منى .. واحنا فى نفس السن تقريبا ..
الحساب مش بالشكل ده .. يعنى انا اتبهدلت اول ما رحت الخليج .. وفى يوم حطوا لى كوم عدة -
فى وسط الملعب ومعاهم كام فنى من الفليبين والهند .. وقالوا لى استلم المشروع .. ودوّر محطات التحلية والكهرباء ومعالجة مياه الصرف والتكييف .. وانا لاأفقه شيئا فى هذه الأمور
وعملت ايه ؟ -
أخدت الراجل المساعد بتاعى وهو اقدم منى عشان يفهمنى حتة حتة .. وذاكرت كل الادلة بتاعة المحطات -
والشبكات .. ست شهور باذاكر واراقب الانشطة كلها .. وفهمت
على الاقل قدرت تدور مشروع بشكل كويس .. بس انت سبت كل ده وهاجرت -
عشان بابص لحاجة اعلى لى ولاولادى .. وعلى استعداد لدفع الثمن .. انا اشتغلت اربع شهور -
فى عز البطالة .. وبعدين اترفدت لانى طلبت فلوس اكتر .. وقعدت اجفف وأغلف زهور فى مكتبة سيدنى ست شهور تانيين .. وده عمل تطوعى .. اتنقلت بعدها لسان جورج اشتغل ساعى يستلم الجوابات ويوزعها فى المكتب ويساعد فى اعمال السكرتارية .. كل ده قبل ما اشتغل مهندس جودة .. واتعلم فى الوقت نفسه بعد الظهر
بس حققت اللى انت عايزه .. -
ايوه ياصاحبى .. بس مش من غير تمن .. ماجربتش ان جزمتك يدوب نعلها فعلا وانت بتدور -
فى دنيا كلها جديدة عليك .. وبدل الواحدة اتنين .. وان الفلوس تخس فى ايديك وتعلم ولادك ان الدنيا من ده على ده .. جايين من الرحرحة هناك على الاقتصاد فى كل شئ والمصروف بحساب لحد ماتقف على رجليك .. عارف؟ احنا عاملين زى مابنشوف امريكا وننبهر بيها ونقول ياسلام .. فى مائتين سنة بس ؟
ماهى فعلا مائتين سنة .. -
آه .. وحرب اهلية بين الشمال والجنوب راح فيها ييجى نص مليون .. وسفوا الرمل وضاعوا -
فى المناجم وروضوا كل شئ .. فين لما اتلمت الولايات دى .. انما المغامرة والمجازفة والمحاولة والوقوع والقيام المستمر .. واللى هى فى معناها الكبير .. قمة التوكل على الله والسعى
صحيح فيه تمن لازم يندفع -
واحنا عايزين كل حاجة واحنا مرتاحين بنشرب شاى .. -

تذكرت هذا الحوار لأننى لم اقف عند الرقم ولم أتأمله أبدا .. كنت أقول لنفسى ليس من المهم متى .. لكن المهم كيف .. فأنت لاتملك الظروف .. ولا تملك وقتها وآوانها .. لأنها بيد الله .. لكنك تملك الارادة

فقد تركت الخدمة الى المعاش فى الثامنة والثلاثين .. وهذا هو التوقيت الحقيقى الذى بدأت فيه اقامة خط وظيفى من أول وجديد .. وسافرت الى الخليج بعدها .. وهاجرت وانا فى الثانية والاربعين .. وحصلت على ماجستير ادارة الاعمال من جورجيا فى الخمسين وكل هذا ساهم فيما أنا فيه .. بشكل مباشر او غير مباشر

وابتسمت .. لاادرى ان كانت ابتسامة رضا ؟ .. أم سخرية من هذه الحياة ؟ فالثابت أن الانسان لايرضى عن نفسه تماما .. ربما كان قانعا بما قسم الله له .. وهذا منتهى ما ينعم به عليه

لكنها كانت ابتسامة من نوع آخر .. وأنا أتأمل الشباب الذين ليس فى قاموسهم أن يأتى يوم .. ويكبرون

مالعمر ؟
*