Thursday, March 18, 2010








بسم الله الرحمن الرحيم


"وقل عسى أن يهدينى ربى الى أقرب من هذا رشدا"


صدق الله العظيم


عسى أن يجعلنى الله من هؤلاء ...

أما لماذا البحث والاجتهاد فهو لأننا نحتاج الى ذلك ..وقد قرأت ما قرأت وهو الكثير .. وانتهيت الى قناعة أننا بحاجة لفهم أعمق يصالح العقل مع الإيمان .. يأخذ اجتهاد السلف على نحو الاحترام ..لا الالتزام.. فلا المنهج الذى اتبعوه بأوفق مما يتبع الان .. ولااخراجه هو على النحو الحديث الذى يسهل الدخول الى موضوع معين ولاتبويبه يساعد على ذلك ولاالوسائل والعدة المعرفية ولا ثقافة البيئة المحيطة وما يفرضه التطور التاريخى والعلمى يجعل من هذه الاجتهادات شيئا يمكن ان يناسب العصر اللهم الا فيما يختص بالعبادات والاخلاق والقيم فقط

كذلك فإن الرسول عليه السلام لم يكن حنفيا ولا مالكيا ولا حنبليا ولا شيعيا ولا سنيا .. فلماذا نحن هكذا ؟ إن أى اختلاف فى شرح أو تفسير لما كان يفعله الرسول عليه السلام هو من صنع بشر .. غير مقدسين .. كما أنهم لم يملكوا شيئا نحن لا نملكه ، غير أنهم تدبروا فى زمانهم وآوانهم وقرأوا واجتهدوا .. كما هو لزام علينا الآن أن نقرأ ونجتهد بما يناسبنا الآن . .اذ أن الثابت كما قلت هو العبادات والاخلاق وليست المعاملات ولاصفة الحياة وتفاصيلها..

كذلك فإنه من غير العدل أن أطالب أى مجتهد عاش منذ أربعة عشر قرناً بما نعيشه فى عصر الطاقة والنسبية والليزر والميكروويف ومكوك الفضاء والهندسة الوراثية والجينوم البشرى والفيمتوثانية والانترنيت ، فلا هو ينتقل مثلى عبر الكرة الارضية فى نصف يوم ولا هو وصل الى القمر أو صور المشترى ذا الثلاثة وستون قمرا ولاصور الطفل فى بطن أمه وقد كان ذلك مستحيلا فى وقت لم يقرأ فيه إلا آية
" ويعلم ما فى الارحام " فخصها لله تعالى مع أنه ببعض التدقيق سيرى أية أخرى تقول " ولايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء " ومعناها أن الله لم يمنع عنا المعرفة وإنما ذلك بالعلم الذى يسخره العلى القدير نفسه لنا ، واذا فالبنيان الفكرى لاى إنسان هو حصيلة المعرفة والأدوات المحيطة به فى هذا العصر ولو كنت أعيش فى ذلك الوقت ما زدت عنه ، كذلك سيصبح ما أعرفه بدائيا متخلفا إذا ما قورن بما سيعرفه أحفادى وأولادهم وقد ولدوا ولديهم أضعاف ما عرفته وعاصرته من وسائل المعرفة.

على أية حال ليست هذه قضيتنا ..فالعبادات لاتتغير ..ولا القيم والأخلاق .. لكن أسلوب الحياة هو الذى يتغير ولايمكن لاحد ان يوقف عجلة الزمان لأن التغير هو صفة هذا الكون وسر عظمته وحيويته .. إذ ان الوجود الوحيد الثابت فيه هو الله نفسه وليس اى شئ آخر فيه " كل شئ هالك إلا وجهه " هالك بمعنى منتهى.

إن المسعى الذى أنا بصدده فى هذا المقام هو رؤية حديثة لديننا الجميل الذى يقول عنه سبحانه وتعالى " ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون" وهو اجتهاد من واجب كل فرد مسلم بغيته الموائمة بين متطلبات العصر وأحكام هذا الدين دون صراخ أو انتصار وهمى زائف لكل ما ينافى العقل باسم ديننا الحنيف..

وفى هذا المضمار تسلحت بشيئين ..الأول قواميس لسان العرب ومختار الصحاح والقاموس المحيط للرجوع اليهم والتوثق من لفظ أو تعبير.. ولابد أن اعترف بأن اللغة تغيرت كثيرا حتى أنه لتلتبس على بعض الكلمات من قدم تلك المراجع والتفسيرات والظروف والملابسات المحيطة بوقتها .. وحتى وقد استعنت بمعاجم استوضح منها ما تعسر على فهمى من الالفاظ فقد عانيت الأمرين من هذه القواميس
وطريقة تقسيمها ، فتجد التقسيم هو باب الأول فصل الآخر أو العكس ولاادرى سببا واحدا يجعلنا نفعل ذلك ونجرد الفعل أولا ثم ندخل القاموس بهذا الترتيب المختل بينما قواميس العالم تدخل بترتيب الحروف ابجديا بطريقة سهلة مباشرة دون تجريد أو خلافه. الأصعب من ذلك أننا نعلمها لأولادنا ونحشو عقولهم بقواعد معقدة متجاهلين الهدف الرئيسى من أى قاموس " معرفة معنى لفظ " كما هو بلا تغيير ..

ولا أريد هنا أن أدخل فى مشكلات تتعلق بلغتنا لأنه حتى اشكال الارقام ذات المعنى تركناها وأخذنا أشكالا لاتعنى شيئا ، ناهيك عن خطأ قراءتنا للأرقام وقد اصبحنا نقول الف وتسعمائة واحد وأربعون بدلا من اربعون وواحد مثل بقية خلق الله فى جميع انحاء العالم وبكل اللغات الأخرى ، فالمؤكد أن العرب استغرقهم الحرف والتشكيل أكثر مما استغرقتهم المعانى والفوائد.

والشئ الثانى الذى تسلحت به.. هو عقلى أنا شخصيا .. الذى أدعو الله أن ينيره فيهدينى لما يحبه ويرضيه فى نفس الوقت .. هذا الى جانب ما أرى من اجتهادات سابقة أوحديثة يعجبنى أصحابها لأنها تحترم عقلى أولا.

إن القراءة فى آثار السابقين خلقت لدينا التباسا شديدا من طول التفاصيل التى تأخذك الى حرف نكرة هنا أو فعل معتل هناك وفى أى شأن تجد نفسك منجرا إلى تفصيل اللغة وتركيباتها وكأنه استعراض وسبق فى أيهم أفهم لها مع ضرب الآف الأمثلة بما يبعدك ويشتتك عن الدخول مباشرة فى المعنى أو التفسير المطلوب ، هذا مع عدم التوثق والتدقيق فى التفاصيل والمناسبات التى تعين على فهم الحكمة من المواقف المختلفة ..

كذلك فإنه من غير المنطقى تجاهل تلك الظروف المحيطة بها بما يؤدى الى فصل الخطاب الدينى عن سياقه التاريخى.. فمن المحتم القبول بأن أشياءا كثيرة تغيرت حتى فى السلوك الانسانى على مر القرون .. ما يقتضى معه تغيرا فى المعاملة والتطبيق .. والشئ الوحيد الذى علينا المحافظة عليه هو جوهر الشئ ..لا ظاهره .. بمعنى .. الهدف الأسمى من كل شئ ..لاتفاصيله فى فترة ما من الزمان ..

من ناحية أخرى وما يحفزنا جميعا على أن نبذل هذا الجهد قوله تعالى:

"قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا"

" وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْض مِنْ شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يَمُدّهُ مِنْ بَعْده سَبْعَة أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَات اللَّه إِنَّ اللَّه عَزِيز حَكِيم "

فإنه لطالما استوقفتنى تلك الآيات طويلا ولم أكن فى صغرى استوعبها ..وكنت أهرب حتى من محاولة التفكر فيها لاجئا الى المهرب المعتاد حين نصطدم بالعقل المنغلق لهؤلاء الذى أختصوا أنفسهم بعلوم القرآن وسموا أنفسهم علماء حتى لكأن القرآن أنزل اليهم وليس للناس كافة .. يقولون لسنا فى كل شئ قادرين على الفهم .. نحن لايزال عقلنا قاصر ..

نعم انه مهرب مريح لانفسنا ولعقولنا حتى لانرهقها حتى بالمحاولة .. وكثيرا ما تساءلت ماهى كلمات ربى ؟ هل هى ما أنزل فى قرآنه الكريم؟ فلو كان ذلك بالمعنى المادى المعروف فهى زجاجة حبر أو أكثر ..لانحتاج فوقها لنكتب هذه الكلمات ..

لكنه بشئ من التروى .. رأيت أن كلمات ربى لابد أن ترتدى ثوبا جديدا فى كل فترة .. وتفسيرا يجدد لهذا الدين شبابه .. فمثلا يفسر ابن عباس "إن السماء والأرض كانتا رتقا ففتقناهما" بأن الارض كانت رتقا ففتقناها فخرج منها الزرع .. والسماء كانت رتقا ففتقناها فنزل منها المطر.. وتمر القرون – لاحظ كلمة قرون - واذا بالنظريات الحديثة لنشأة الكون تقول بأن السماء والأرض كانتا من نسيج واحد هو الدخان فانفصلتا وتكثفت الغازات فكان منها الأرض .. هذا تفسير جديد يختلف تماما عن سابقه.. وفى مكان آخر "والأرض بعد ذلك دحاها" والعربى القديم كان يرى الأرض مدحية أمامه لايساوره شك فى سطحيتها .. أما الآن والأرض كروية فإن الثابت علميا أن الأرض ليست كروية تماما إذ انها مدحية من شمالها وجنوبها ..

ولو انهم وقفوا عند قوله تعالى "يكور الليل على النهار" لربما أحسوا أن هناك شئ غريب فى المسألة .. صحيح أنه لم يكن فى ادراكهم وقتها لكنه لابد ملفت .. تماما كما نقول "ويخلق ما لاتعلمون" فاننا بذلك نقر بأن هناك أشياء كثيرة تأتى .. لانعلمها الآن وسنتبينها فى حينه ..

كذلك فى "مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لايبغيان " فالتفسير راح الى أن "هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج" .. وحتى الى وقتنا هذا يذهب بعضنا الى هذا المعنى دون تدقيق .. بينما فى الآيات من بعدها فى سورة الرحمن نجد أن الله تعالى يقول " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" واللؤلؤ والمرجان لايخرجان الا من بحرين مالحين وليس من بحر ونهر.. وهذا ما صوره القمر الصناعى من أن هناك مياهات فى المحيط الاطلنطى وكأنها اراض يفصل بينها برزح دقيق ..وهى تختلف فى درجة ملوحتها وحرارتها وكذلك ظروف البيئة المائية لها ..بحيث أن الاحياء فى احداها لايناسبها العيش فى الاخرى ..

من هنا وغير ذلك وضحت معنى الآية بالنسبة إلىٌ.. ومن هنا فهمت انه فعلا لايكفى البحر مدادا إذا كانت كلمات ربى تتجدد على مر الزمان الى القيامة بقدر ما يفتح الله على الانسان من اسرار العلم "ولايحيطون بشئ من علمه الابما شاء" .

عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم " إن الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ويفسر القدماء ذلك بإحياء ما اندرس من معالم الدين ، وانطمس من أحكام الشريعة وما ذهب من السنن و خفي من العلوم الظاهرة والباطنة. وأقول أن التجديد غيرالإحياء وإلا كان بعثا ، ولكنه بجعل الشئ جديدا أى مناسبا للوقت.


لماذا هذه المحاولة ؟